سيناريوهات الشرق الأوسط

قتلى في مطار الرياض. الاستراتيجية الرامية إلى وقف الاستثمارات في المملكة العربية السعودية

في الوقت الذي تتحرك فيه القوات الحكومية اليمنية لاستعادة السيطرة على المنطقة الجنوبية، ينقل الحوثيون الصراع إلى داخل الأراضي السعودية. كما تعرض مطار الدمام لهجوم. وتأتي هذه التطورات في وقت يستعد فيه البلد لاستضافة فعاليات دولية مهمة في قطاعي الطاقة والبنية التحتية

Attacchi degli Houthi all'aeroporto di Riad ANSA

6' دقيقة قراءة

Translated by AI
Versione italiana

6' دقيقة قراءة

Translated by AI
Versione italiana

لم يعد مطار الملك خالد الدولي في الرياض مجرد أحد أهم خطوط الربط الجوي بين العاصمة السعودية وبقية العالم. ففي غضون أيام قليلة، أصبح أحد أبرز رموز التصعيد العسكري الجديد المرتبط بالحرب في اليمن، مما يدل على أن الصراع الذي اندلع من جديد على طول الساحل الغربي اليمني لم يعد محصوراً داخل حدود البلاد. في 10 أكتوبر، تعرض المطار لانفجارات جديدة، مما أدى إلى إخلاء بعض المناطق وتعطيل حركة الطيران، وذلك بعد سلسلة من الهجمات التي تسببت في الأيام السابقة في سقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار بطائرة مدنية تابعة لشركة الخطوط الجوية العربية السعودية. وقد خلّف الهجوم الذي وقع يوم السبت الماضي أثرًا دمويًا: حيث بلغ عدد القتلى 12 قتيلاً و300 جريح. لكن القنابل عادت لتسقط خلال الليل، ليس فقط على مطار الرياض، بل أيضًا على مطار الدمام.

تأتي هذه التطورات بعد أيام قليلة من إعلان القوات الموالية لـ الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا عن استعادة مدينة مخا ومواقع استراتيجية بالقرب من باب المندب، في إطار هجوم مضاد تدعمه المملكة العربية السعودية ضد الحوثيين. وبذلك، تتحرك المعركة على محورين متوازيين: تسعى القوات الحكومية إلى تغيير التوازنات الإقليمية داخل اليمن، بينما يحاول الحوثيون نقل جزء من تكلفة المواجهة العسكرية مباشرة إلى الأراضي السعودية. لكن السؤال الذي تثيره هذه التطورات يتجاوز القدرات العسكرية للأطراف: كيف يمكن لحرب مستمرة منذ أكثر من عقد من الزمن أن تعود لتهدد أحد أهم المطارات في المنطقة، في الوقت الذي تسعى فيه السعودية إلى تعزيز دورها كمركز دولي للاستثمارات والطيران والخدمات؟

Loading...

مطار الرياض: من هدف معلن إلى أزمة في مجال الطيران المدني

لا يُعد الهجوم الذي وقع في 10 أكتوبر حادثة منفردة. ففي الأيام التي سبقت ذلك، أعلن الحوثيون عن شن عمليات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة ضد أهداف سعودية، من بينها مطار الملك خالد الدولي. في 8 أكتوبر، وفقًا للسلطات السعودية، تعرض المطار لهجومين استهدفا بعض بنيته التحتية وطائرة تابعة للخطوط الجوية السعودية، مما أسفر عن مقتل ثلاثة مواطنين سعوديين وإصابة آخرين. وأدت الانفجارات الجديدة التي وقعت يوم السبت 10 أكتوبر إلى إخلاء بعض مناطق المطار، في حين اضطرت عدة شركات طيران دولية إلى إلغاء رحلاتها أو تحويل مسارها إلى مطارات أخرى.

لا تقتصر العواقب على المباني أو الطائرات

يمثل المطار عنصراً أساسياً في شبكة النقل التي تربط المملكة العربية السعودية بالعالم. وأي انقطاع متكرر في أنشطته يؤثر سلباً على الركاب وشركات الطيران ومجمل الأنشطة الاقتصادية التي تعتمد على استمرارية الروابط الدولية. وتكتسب هذه التطورات أهمية أكبر في وقت تستعد فيه الرياض لاستضافة فعاليات دولية مهمة في قطاعي الطاقة والاستثمار. وبذلك تصبح أمن المطار مسألة تتجاوز التدابير التقليدية لحماية البنية التحتية، لتؤثر بشكل مباشر على الثقة في استمرارية النقل والأنشطة الاقتصادية.

لماذا انتقلت المواجهة العسكرية إلى الرياض؟

لفهم التصعيد الأخير، لا بد من العودة إلى التطورات العسكرية على طول الساحل الغربي لـ اليمن. بعد تقدم الحوثيين، في شهر سبتمبر، نحو مخا وباب المندب، شنت القوات الحكومية اليمنية، بدعم سعودي، عمليات لاستعادة الأراضي المفقودة. وفي 5 أكتوبر، أعلنت هذه القوات أنها استعادت السيطرة على موخا ومواقع مهمة بالقرب من المضيق، بينما استمر القتال على جبهات أخرى، لا سيما حول تعز. وفي الوقت نفسه، كثف الحوثيون هجماتهم على أهداف داخل المملكة العربية السعودية، معلنين أن المجال الجوي السعودي أصبح الآن ضمن نطاق عملياتهم العسكرية. ويمكن تفسير هذه الهجمات على أنها محاولة لزيادة تكلفة التدخل العسكري السعودي وإثبات أن خسارة المواقع الإقليمية في اليمن لا تعني فقدان القدرة على ممارسة الضغط خارج حدودها. إن المواجهة بين المملكة العربية السعودية والحوثيين لها تاريخ طويل، ويأتي التصعيد الحالي في سياق إقليمي أوسع، يتسم أيضًا بالتوترات بين الولايات المتحدة وإيران. ما تظهره الأحداث هو أن الجغرافيا العسكرية للحرب لم تعد تتطابق مع حدودها السياسية. فقد تتمكن القوات الحكومية من التقدم في المخا، في حين أن تداعيات المعركة تصل إلى الرياض.

السعودية أمام معادلة أمنية تزداد تعقيدًا

منذ تدخل التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية في اليمن عام 2015، ظلت أمن الحدود الجنوبية للمملكة أحد الدوافع الرئيسية لسياستها تجاه اليمن. لكن التجربة أثبتت أن التهديد لا يقتصر على المناطق الحدودية. فالصواريخ والطائرات المسيرة قادرة على تجاوز المسافات الجغرافية واستهداف البنى التحتية الاستراتيجية البعيدة عن ساحات القتال التقليدية. واليوم، يبدو هذا التناقض أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. فمن ناحية، تدعم المملكة العربية السعودية القوات الحكومية اليمنية في محاولتها لاستعادة أراضٍ استراتيجية. ومن ناحية أخرى، تواجه هجمات متكررة على البنى التحتية المدنية والاقتصادية داخل أراضيها. وهنا تظهر حدود أي استراتيجية تقوم حصريًّا على التفوق العسكري. فالنجاح في استعادة مدينة أو موقع ساحلي لا يضمن بالضرورة وقف الهجمات بعيدة المدى. وبالمثل، فإن القدرة على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة، مهما كانت متطورة، لا تقضي على المخاطر التي قد تشكلها الهجمات المتكررة على الطيران المدني والاقتصاد. وهذا لا يقلل من أهمية العمليات الدفاعية أو العسكرية، بل يثبت أن استعادة الأمن تتطلب أكثر من مجرد تغيير خطوط السيطرة على الأراضي.

الخلافات بين السعودية والإمارات والسعي للتوصل إلى تفاهم جديد

لا يمكن فصل التصعيد الحالي تمامًا عن التحولات التي طرأت على العلاقات الإقليمية المرتبطة بالقضية اليمنية. فقد ظهرت في السنوات الأخيرة خلافات بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بشأن بعض القوى المحلية وتوزيع النفوذ والأمن في اليمن، لا سيما في المناطق الجنوبية والساحلية. وقد أصبحت هذه الخلافات أكثر وضوحًا في أواخر عام 2025، قبل أن تظهر في الأسابيع الأخيرة إشارات على احتمال حدوث تقارب وتجديد التنسيق السياسي. في 29 سبتمبر، توجه الشيخ منصور بن زايد آل نهيان إلى الرياض، حيث التقى بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان. جاءت هذه الزيارة في وقت حساس للغاية، اتسم بتصاعد حدة القتال في اليمن وتزايد المخاوف بشأن أمن الخليج والبحر الأحمر. ويمكن تفسير هذا التقارب على أنه محاولة لتقليص الخلافات بين قوتين إقليميتين ترتبط مصالحهما ارتباطًا مباشرًا بمستقبل اليمن. ومع ذلك، لا توجد عناصر علنية كافية لتأكيد أن الزيارة أسفرت عن اتفاق عسكري محدد أو أنها كانت مرتبطة مباشرة بالهجمات اللاحقة على مطار الرياض. وتكمن أهميتها السياسية في مسألة أوسع نطاقاً: هل ستتمكن الرياض وأبو ظبي من تحويل تقارب مصالحهما الأمنية إلى رؤية مشتركة لمستقبل الدولة اليمنية؟ قد يكون التنسيق لمواجهة تهديد عسكري أسهل من التوصل إلى اتفاق حول هيكل المؤسسات والقوى التي ستحكم البلاد بعد انتهاء القتال.

إيران وحرب تتجاوز حدود اليمن

يضيف الصراع بين الولايات المتحدة وإيران بُعدًا إضافيًا للتصعيد الحالي. يتمتع الحوثيون بعلاقات سياسية وعسكرية مع طهران، وقد جعلتهم قدراتهم الصاروخية، إلى جانب قدرتهم على تهديد الملاحة والبنى التحتية الاستراتيجية، جزءًا لا يتجزأ من التوازنات الأمنية الإقليمية. إلا أن اختزال كل قرار يتخذه الحوثيون في أنه توجيه صادر مباشرة عن إيران يعني تبسيطًا مفرطًا لطبيعة الحركة ومصالحها المحلية. فالحوثيون هم أحد أطراف الصراع اليمني، ويسعون إلى تحقيق أهداف تتعلق بالسيطرة على الأراضي والمفاوضات مع خصومهم، فضلاً عن الحفاظ على العلاقات والمصالح الإقليمية. وهنا بالذات يكمن أحد المخاطر الرئيسية للمرحلة الحالية. فأي تصعيد بين واشنطن وطهران قد يزيد الضغوط على الساحة اليمنية، في حين أن التطورات الداخلية في اليمن قد تؤثر بدورها على الأمن السعودي والطرق البحرية الدولية. أصبحت الأزمات مترابطة الآن إلى درجة تجعل من الصعب التعامل معها كملفات منفصلة. لكن هذا الترابط لا يعني أن اليمن قد فقد خصوصيته السياسية. فالأسباب الداخلية للحرب، وتفكك المؤسسات، وتعدد القوى المسلحة، وغياب اتفاق سياسي شامل، تظل عوامل لا يمكن تفسيرها حصريًا من خلال التنافس بين إيران والولايات المتحدة.

من الأمن في باب المندب إلى الأمن في المطارات

قبل أيام قليلة فقط، كانت الأنظار الدولية مسلطة على باب المندب، أحد الممرات البحرية الحيوية للتجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا. واليوم، تتجه الأنظار أيضًا إلى مطار الرياض، حيث أصبحت سلامة الرحلات الجوية واستمرارية الأنشطة الاقتصادية جزءًا من العواقب المباشرة للحرب. والارتباط بين هذين المكانين واضح. فالمخاطر التي تهدد الملاحة البحرية لا تختلف جذريًا، من حيث العواقب الاقتصادية، عن تلك التي تؤثر على النقل الجوي. ففي كلتا الحالتين، قد تجبر الهجمات المتكررة الشركات على تغيير مساراتها، وزيادة تكاليف التشغيل والتأمين، وإعادة تقييم المخاطر. وبالنسبة لأوروبا، إذن، لا تقتصر المسألة على أمن المملكة العربية السعودية أو مستقبل اليمن فحسب. بل تتعلق أيضًا باستقرار شبكات النقل والتجارة والطاقة التي تربط المنطقة بـالاقتصاد الأوروبي. لكن حماية هذه الشبكات لا يمكن ضمانها بشكل مستدام من خلال التدابير الأمنية وحدها، طالما استمر الصراع الذي يغذي هذه التهديدات.

ما الذي يمكن أن يوقف هذا التصعيد؟

بعد أكثر من عشر سنوات من الحرب، يبدو أن المنطقة تواجه معادلة مألوفة، لكن بتكاليف جديدة. تتقدم القوات الحكومية في منطقة ما، فيرد الحوثيون بزيادة الضغط على جبهة أخرى أو بضرب البنية التحتية خارج اليمن. تتوسع العمليات العسكرية وتزداد الحاجة إلى الدفاع الجوي والتنسيق بين الأطراف الإقليمية. وفي الوقت نفسه، يواجه المجال المتاح للتوصل إلى حل سياسي خطر التقلص كلما اتسع نطاق المواجهة. لا توجد أي ضمانة بأن استمرار هذه الديناميكية سيؤدي إلى انتصار عسكري نهائي لأحد الطرفين. وبالمثل، فإن الدعوة إلى حل سياسي لا تعني تجاهل المخاطر الأمنية أو الهجمات على البنى التحتية المدنية. بل يعني بالأحرى الاعتراف بأن حماية المدنيين والمطارات والموانئ تتطلب ترتيبات أمنية مستدامة وعملية سياسية يمنية قادرة على معالجة أسباب الصراع، وليس فقط عواقبه العسكرية. ويبقى التحدي الرئيسي هو الانتقال من إدارة التهديدات المتبادلة إلى حل الانقسامات التي تسمح بتكرارها باستمرار.

Loading...

الحرب لم تعد بعيدة عن العواصم

لسنوات طويلة، كان من الممكن اعتبار الحرب اليمنية صراعاً تدور معاركه الرئيسية داخل بلد يعاني من انهيار مؤسسي وأزمة إنسانية طويلة الأمد. إلا أن التطورات الأخيرة تُظهر أن عواقبها أصبحت تؤثر بشكل مباشر بشكل متزايد على أمن واقتصاد المنطقة بأسرها. من موكا وباب المندب إلى تعز، ومن الحدود السعودية وصولاً إلى مطار الرياض، تتسع الخريطة التي تدور عليها الحرب. ولا تكمن خطورة الهجمات الأخيرة في الأضرار التي تسببت فيها فحسب، بل أيضًا في أنها تعيد طرح سؤال لم تتمكن المنطقة من إيجاد إجابة مستقرة له منذ أكثر من عقد من الزمن: كيف يمكن ضمان أمن دائم لـالمملكة العربية السعودية والخليج بينما يظل اليمن مسرحًا مفتوحًا للحرب؟ استعادة المواقع العسكرية يمكن أن تغير التوازنات على الأرض، تمامًا كما يمكن لأنظمة الدفاع الجوي أن تحد من عواقب الهجمات. لكن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يقوم على فكرة أن الحرب ستبقى محصورة داخل الحدود اليمنية. فعندما تصبح مطارات العواصم امتدادًا لجبهات القتال، لم يعد السؤال يقتصر على كيفية حماية البنية التحتية من الهجمات المقبلة، بل أصبح السؤال هو كيفية إنهاء الحرب التي تجعل تلك الهجمات ممكنة.

أرحب محمد السرحي، رئيس جمعية الصداقة اليمنية-الإيطالية

جميع الحقوق محفوظة ©
Loading...

Brand connect

Loading...