عدم الاستقرار في الشرق الأوسط

باب المندب يعود إلى السيطرة اليمنية. إنها مجرد مرحلة جديدة من الحرب

بعد أسابيع من الهجمات والهجمات المضادة، استعادت القوات الموالية للحكومة مدينة موخا والمواقع الاستراتيجية على المضيق المؤدي إلى البحر الأحمر. وفي الوقت نفسه، انتقلت المعركة إلى تعز، وارتفع عدد النازحين إلى 184 ألف شخص

Agenti di polizia yemeniti pattugliano le strade della città del governatorato di Marib, regione del Paese ricca di petrolio  REUTERS/Ali Owidha

6' دقيقة قراءة

Translated by AI
Versione italiana

6' دقيقة قراءة

Translated by AI
Versione italiana

قبل بضعة أسابيع فقط، بدا أن التوازن العسكري على طول الساحل الغربي لـ اليمن يتحول بسرعة لصالح الحوثيين. فقد سيطرت الجماعة على مخا وتقدمت نحو باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وكان هذا التقدم قد أثار مخاوف تتجاوز حدود اليمن بكثير، لتشمل أسواق الطاقة وشركات الشحن البحري والدول المطلة على البحر الأحمر.

اليوم، تغير الوضع مرة أخرى. فقد أعلنت القوات الموالية لـ الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا أنها استعادت السيطرة على منطقة باب المندب ودوباب. بعد ذلك، أعلنت القوات الموالية للحكومة أيضًا استعادة السيطرة على مدينة مخا، بعد معارك عنيفة. لكن هذا لا يعني أن الحرب قد وصلت إلى نهايتها. بل على العكس، ربما تكشف التطورات الأخيرة عن أمر أكثر أهمية بشأن طبيعة الصراع اليمني الحالي: تتحرك الجبهات بسرعة، بينما تتوسع الحرب.

Loading...

في الوقت الذي يتراجع فيه الحوثيون على طول الساحل الغربي، تستمر الاشتباكات في مناطق أخرى، لا سيما حول تعز، حيث حققت الجماعة بدورها تقدمًا على بعض الجبهات. لذا، لم يعد السؤال يقتصر على من يسيطر على مضيق باب المندب فحسب، بل إلى أين ستنتقل الحرب بعد مضيق باب المندب.

باب المندب يعود إلى سيطرة الحكومة

تُعد استعادة السيطرة على منطقة باب المندب تطوراً عسكرياً واستراتيجياً مهماً للحكومة اليمنية. وقد تقدمت القوات الموالية للحكومة، بما في ذلك وحدات من قوات درع الأمة وكتائب العمالقة، نحو ذباب والمواقع المحيطة بالمضيق، بدعم جوي سعودي. ووفقًا لمصادر حكومية، فقد سيطرت هذه القوات أيضًا على مهبط طائرات ذباب وقطعت بعض خطوط إمداد الحوثيين في المنطقة.

تكتسي هذه المنطقة أهمية استثنائية لأنها تقع بالقرب من أحد أضيق نقاط مضيق باب المندب، حيث يتصل البحر الأحمر بـ خليج عدن، ومن خلاله بـ المحيط الهندي. ولهذا السبب، فإن السيطرة العسكرية على الساحل المجاور للمضيق لا تقتصر أهميتها على اليمن وحده. فمضيق باب المندب جزء من الشبكة التجارية والطاقة التي تربط آسيا بـالشرق الأوسط وأوروبا عبر قناة السويس. وبالتالي، فإن أي تهديد طويل الأمد للملاحة البحرية يمكن أن يتحول بسرعة إلى قضية اقتصادية دولية. لكن استعادة السيطرة على الساحل لا تعني بالضرورة القضاء التام على التهديد.

لا يزال الحوثيون يتمتعون بالقدرة على استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة من مناطق أبعد عن الساحل. وبالتالي، فإن السيطرة البرية على باب المندب قد تقلل من بعض المخاطر المباشرة القادمة من الساحل، لكنها لا تقضي بالضرورة على قدرة الجماعة على تهديد الملاحة.

موكا تتغير ملكيتها مرة أخرى

إن الأهمية الرمزية والعسكرية لاستعادة مخا لا تقل، ربما، عن أهمية مضيق باب المندب نفسه. فقد عادت المدينة، التي سقطت تحت سيطرة الحوثيين في سبتمبر، وفقًا لما أعلنته القوات الحكومية، إلى سيطرة القوات الموالية للحكومة بعد معارك عنيفة. وبذلك تكون موخا قد تغيرت السيطرة عليها مرتين في غضون أسابيع قليلة. وهذا الواقع بحد ذاته يوضح مدى هشاشة خطوط الجبهة الحالية.

في الحرب اليمنية، لا يعني السيطرة على مدينة أو طريق ما بالضرورة أن الوضع العسكري قد استقر. فقد تتقدم إحدى القوات بسرعة لتجد نفسها، بعد بضعة أيام أو أسابيع، في مواجهة هجوم مضاد قادر على إعادة رسم خطوط المواجهة من جديد. وتعد موكا مثالاً واضحاً على ذلك. قبل أقل من شهر، كان استيلاء الحوثيين عليها قد أثار مخاوف من حدوث تغيير استراتيجي دائم على طول الساحل الغربي. اليوم، تجد الجماعة نفسها مضطرة لمواجهة هجوم مضاد أجبرها على التراجع عن المدينة وعن مناطق مهمة حول باب المندب. لكن هذا التراجع لا يعني أن الحوثيين فقدوا القدرة على أخذ زمام المبادرة على جبهات أخرى.

تعز، الجبهة التي لم تتوقف أبدًا

بينما كانت القوات الحكومية تتقدم نحو باب المندب والمخا، كانت المعركة الدائرة حول تعز تتخذ منحىً أكثر تعقيدًا. في الأيام الأخيرة، شهدت المناطق المحيطة بالمدينة قتالاً عنيفاً ، وحققت قوات الحوثيين تقدماً في بعض المرتفعات وعلى طول محاور استراتيجية، وفقاً لمصادر عسكرية حكومية نقلتها وسائل الإعلام الدولية. وهنا تظهر المفارقة الرئيسية في المرحلة الحالية من الصراع.

تتقدم القوات الحكومية على طول الساحل، بينما يحاول الحوثيون زيادة الضغط على تعز من المرتفعات وعلى طول الطرق الداخلية. وبالتالي، لم تعد الحرب تسير في اتجاه واحد. فقد أصبحت سلسلة من الهجمات والهجمات المضادة على جبهات مترابطة جغرافيًا، لكن ذات أهمية عسكرية مختلفة. باب المندب ذو أهمية حاسمة للملاحة الدولية. أما موخا فهي مهمة للسيطرة على الساحل. أما تعز، فهي تمثل عقدة جغرافية وديموغرافية تربط بين مناطق شاسعة من جنوب اليمن وغربه ووسطه.

Loading...

ولهذا السبب، فإن معركة تعز لا تقل أهمية بالنسبة لمستقبل الصراع داخل اليمن، حتى وإن كانت مضيق باب المندب لا تزال تستحوذ على الجزء الأكبر من الاهتمام الدولي.

هل تغيرت موازين الحرب؟

قد يكون من السهل تفسير استعادة السيطرة على باب المندب والمخا على أنها نقطة تحول حاسمة. لكن التجربة اليمنية تدعو إلى مزيد من الحذر. فقد عادت خطوط الجبهة، التي ظلت مستقرة نسبيًا لسنوات، إلى التحرك بسرعة بعد انتهاء مرحلة الهدوء النسبي التي بدأت في عام 2022.

أظهرت التطورات الأخيرة أنه لا يمكن لأي من الأطراف حتى الآن اعتبار مكاسبها الإقليمية نهائية. ففي سبتمبر، تمكن الحوثيون من التقدم بسرعة على طول الساحل الغربي والاستيلاء على مناطق استراتيجية. والآن شنت القوات الحكومية هجوماً مضاداً وأعلنت استعادة أراضٍ مهمة، مدعومةً أيضاً بـالغارات الجوية السعودية. وفي الوقت نفسه، تستمر الاشتباكات في تعز ومناطق أخرى. لذا، ربما لم يتغير التوازن الإقليمي فحسب، بل وتغيرت وتيرة الحرب نفسها.

بعد سنوات من الجمود شبه التام على الجبهات، عادت الخريطة العسكرية في اليمن إلى التحرك. وينطوي هذا التحرك على مخاطر تتجاوز بكثير مجرد انتقال مدينة ما من طرف إلى آخر.

184 ألف نازح: الوجه الآخر للهجمات والهجمات المضادة

هناك خريطة أخرى تتغير بالتوازي مع الخريطة العسكرية. إنها خريطة التشريد. قبل أيام قليلة فقط، كان عدد الأشخاص الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم بسبب التصعيد الجديد يقترب من 130 ألف شخص. والآن، وفقًا لـالمنظمة الدولية للهجرة، يُقدَّر أن العدد قد بلغ حوالي 184 ألف شخص منذ بداية المرحلة الجديدة من القتال. ويُظهر هذا الارتفاع السريع التكلفة الحقيقية للتحركات المستمرة للجبهات.

عندما يتم احتلال مدينة ما من قبل طرف ما ثم يُستعاد احتلالها من قبل الطرف الآخر بعد بضعة أسابيع، لا يعود السكان بالضرورة إلى الوضع السابق. فقد تكون المساكن قد تعرضت لأضرار. وقد تكون الطرق قد انقطعت. وربما تكون الخدمات قد توقفت عن العمل. وقد تضطر الأسرة التي هربت مرةً واحدةً إلى الفرار مرة أخرى. وهكذا تتحول الحرب من مجموعة خطوط تتحرك على الخرائط إلى حركة بشرية بنفس السرعة. في مقالتي السابقة، كانت إحدى الصور الأكثر دلالة هي تلك التي تُظهر العائلات اليمنية وهي تعبر مضيق باب المندب على متن قوارب صغيرة متجهة نحو جيبوتي بحثًا عن الأمان. واليوم، تغيرت السيطرة العسكرية على المضيق مرة أخرى. لكن الأسباب التي أجبرت تلك العائلات على الفرار لم تختفِ.

ماذا يعني استعادة باب المندب بالنسبة لأوروبا؟

بالنسبة لـأوروبا، قد يبدو عودة الساحل المجاور لباب المندب إلى سيطرة القوات الحكومية خبراً مطمئناً. فالسيطرة الحكومية على المنطقة قد تحد من قدرة الحوثيين على ممارسة ضغط مباشر من الساحل على أحد أهم الممرات البحرية المؤدية إلى قناة السويس. لكن من الخطأ اعتبار أن المشكلة قد حُلّت.

لا تعتمد أمن مضيق باب المندب فقط على من يسيطر على بضعة كيلومترات من الساحل. فالصواريخ والطائرات المسيرة يمكنها الوصول إلى البحر من مسافات أبعد، كما أن استمرار الحرب في عمق البلاد يعني أن خطر حدوث تصعيد جديد سيظل قائماً. والأهم من ذلك، أن تجربة الأسابيع الأخيرة أظهرت مدى السرعة التي يمكن أن يتغير بها السيطرة على الأراضي. فقد انتقلت السيطرة على موخا من طرف إلى آخر في غضون أسابيع قليلة. وقد أصبح ممر باب المندب نفسه مسرحًا مباشرًا للعمليات العسكرية. ولذلك، لا يمكن أن تعتمد سلامة الملاحة حصريًّا على نتيجة معركة واحدة.

من يسيطر على الأراضي ومن يسيطر على المستقبل؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأهم بعد استعادة السيطرة على باب المندب ومخا. يمكن للقوات الحكومية استعادة السيطرة على مدينة ما. ويمكن للحوثيين التقدم نحو جبل أو على طول طريق ما. ويمكن للتفوق الجوي أن يغير توازن المعركة في غضون ساعات قليلة. لكن السؤال السياسي يظل أصعب بكثير: ماذا سيحدث بعد ذلك؟ وإذا عادت الحرب اليمنية لتتحول مرة أخرى إلى سلسلة من الهجمات والهجمات المضادة دون عملية سياسية موازية، فقد تتغير الخريطة مرات عديدة أخرى، في حين سيستمر ضعف الدولة وتزايد أعداد النازحين.

ولهذا السبب، لا ينبغي قياس أهمية استعادة باب المندب فقط من خلال عدد المواقع العسكرية التي انتقلت من طرف إلى آخر. سيكون الاختبار الحقيقي هو معرفة ما إذا كان هذا التطور سيسهم في خلق توازن قادر على تشجيع التوصل إلى حل سياسي، أم أنه سيشكل مجرد بداية مرحلة عسكرية جديدة على جبهات أخرى.

الحرب تتطور، لكنها لم تنتهِ بعد

قبل أقل من شهر، كان السؤال المطروح هو: ماذا سيحدث بعد وصول الحوثيين إلى موخا وباب المندب؟ واليوم، وفقًا للسلطات الحكومية، عادت تلك المناطق إلى سيطرة القوات الموالية للحكومة، في حين لا تزال الاشتباكات مستمرة في تعز ومناطق أخرى. قد تتغير الخريطة مرة أخرى. وهذا بالضبط هو الدرس المستفاد من الأسابيع الأخيرة.

في اليمن، لا يعني استعادة السيطرة على الأراضي بالضرورة استعادة الاستقرار. قد تكون مضيق باب المندب اليوم تحت سيطرة القوات الحكومية، ومخا قد عادت إلى أيديهم، لكن الحرب لم تنتهِ على الساحل. فقد انتقلت مرة أخرى إلى الجبال والطرق والمدن. وفي كل مرة يتحرك فيها خط الجبهة، يتحرك معه آلاف المدنيين. ولهذا السبب، فإن السؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة ليس فقط: من يسيطر على باب المندب؟ بل سؤال أكثر أهمية: هل سيكون من الممكن تحويل السيطرة العسكرية على الأراضي إلى استقرار سياسي قادر على منع اليمن من العودة، مرة أخرى، إلى نفس خريطة الحرب والنزوح؟

أرحب محمد السرحي، رئيس جمعية الصداقة اليمنية-الإيطالية

جميع الحقوق محفوظة ©
Loading...

Brand connect

Loading...