من مكة إلى طهران: دبلوماسية الردع تحاول نزع فتيل الأزمة في الشرق الأوسط
تفتح زيارة الوفود السعودية والتركية والباكستانية إلى إيران آفاقًا لبناء هيكل أمني إقليمي جديد، في ظل التوترات بين واشنطن وطهران، وأمن الخليج، ومستقبل اليمن، وحرية الملاحة
النقاط الرئيسية
لم يعد من الممكن تفسير الأزمة التي يمر بها الشرق الأوسط اليوم على أنها مجرد صراع بين الولايات المتحدة وإيران، ولا كامتداد بسيط للحرب في اليمن أو التنافس على النفوذ في الخليج. فالمنطقة تواجه أزمة أمنية مترابطة بشكل متزايد، حيث يمكن أن يؤدي التصعيد على جبهة ما إلى عواقب فورية على جبهات أخرى، بدءًا من مضيق هرمز وصولًا إلى باب المندب، ومن البنية التحتية النفطية في الخليج إلى الموانئ والمطارات المدنية.
في هذا السياق، تكتسب زيارة الوفد الممثل للدول الموقعة على اتفاق مكة للدفاع المشترك إلى طهران أهمية تتجاوز نطاق الدبلوماسية التقليدية. ويعكس حضور وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، ورئيس المخابرات التركية، إبراهيم كالين، إلى طاولة المفاوضات مع القيادة الإيرانية يعكس وعيًا متزايدًا: فالوسائل العسكرية، بمفردها، لم تعد كافية لاحتواء مخاطر نشوب صراع إقليمي أوسع نطاقًا. لكن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في مستوى المشاركين. بل إن الرسالة السياسية هي التي تستحق الاهتمام في المقام الأول: فالبلدان التي عززت تعاونها الدفاعي لمواجهة التهديدات الإقليمية تسعى الآن إلى استخدام ذلك الثقل الاستراتيجي نفسه لفتح مسار دبلوماسي قادر على منع توسع الحرب.
منطق جديد: الردع في خدمة المفاوضات
تقليديًّا، تُبنى التحالفات الدفاعية لتعزيز القدرة على الرد على التهديدات العسكرية. لكن الزيارة إلى طهران تشير إلى احتمال مختلف: تحويل ثقل التعاون العسكري إلى أداة للمبادرة الدبلوماسية. لا تشترك المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في مصالح متطابقة ولا في نفس العلاقات الدولية. الرياض مهتمة بشكل مباشر بأمن أراضيها وبنيتها التحتية الاقتصادية ومستقبل اليمن. أما أنقرة فترغب في تجنب المزيد من الاضطرابات الإقليمية التي قد تهدد التجارة والطاقة والتوازنات الأمنية. أما إسلام أباد، فهي من جانبها تحافظ على علاقات مهمة مع كل من المملكة العربية السعودية وإيران، ولديها قنوات اتصال مع مختلف الأطراف الفاعلة في الأزمة بين واشنطن وطهران.
قد تشكل هذه الاختلافات ميزة دبلوماسية، حيث تتيح للوفد التحاور مع إيران من منظورات متكاملة، بدلاً من اتخاذ موقف متصلب وأحادي الجانب. غير أن نجاح هذا النهج يتطلب التمييز بشكل أساسي بين الردع والتهديد. فالردع يمكن أن يهيئ أجواءً مواتية للتفاوض عندما يكون مصحوبًا بضمانات موثوقة. أما التهديد المباشر، على العكس من ذلك، فيخاطر بجعل الطرف المقابل يتخذ موقفًا أكثر تشددًا، لا سيما عندما يمكن تفسير أي تنازل على أنه إشارة إلى الضعف.
ما الذي يمكن الاتفاق عليه؟
من غير الواقعي الاعتقاد بأن اجتماعاً واحداً يمكنه حل الخلافات التي تراكمت على مر السنين وتفاقمت بسبب الحروب والعقوبات والتنافس الإقليمي. ومع ذلك، فإن الدبلوماسية لا يجب بالضرورة أن تبدأ بحل جميع المشاكل. بل يمكن أن تنطلق من تدابير ملموسة تمنع تدهور الوضع أكثر بينما تستمر المفاوضات. وقد يكون التوصل إلى اتفاق بشأن التزامات أمنية محددة أكثر فعالية من إصدار بيان سياسي عام يصعب ترجمته إلى نتائج قابلة للتحقق. وينبغي أن يتعلق الالتزام الأول بوقف الهجمات على البنى التحتية المدنية والاقتصادية، بما في ذلك المطارات والموانئ ومنشآت الطاقة وخطوط أنابيب النفط. فهذه المنشآت لم تعد ذات قيمة وطنية فحسب: بل هي جزء من شبكات اقتصادية يعتمد عليها ملايين الأشخاص والعديد من الدول.