السيناريوهات المستقبلية

صعود القوى المتوسطة يعيدنا إلى سياسة الكتل

تتداخل في الحروب الحالية أجندات معقدة، وتشمل أطرافًا إقليمية تصبح ذات دور حاسم على الصعيد العالمي. ومن أمثلة ذلك الإمارات والمملكة العربية السعودية ومصر. ولا يؤدي هذا «التعددية» بالضرورة إلى الفوضى. بل يمكن أن يكون مفيدًا للاتحاد الأوروبي في إقامة تحالفات غير أصيلة ولكنها براغماتية

بقلم جيانلوكا أنسالوني

Lo sceicco  Khaled Bin Mohamed Bin Zayed  APN

4' دقيقة قراءة

Translated by AI
Versione italiana

4' دقيقة قراءة

Translated by AI
Versione italiana

تهدد الحروب المعاصرة بأن تصبح حروبًا أبدية؛ أي أنها سهلة جدًّا في البدء، لكن يكاد يكون من المستحيل إنهاؤها. وخير دليل على ذلك هو الصراع في أوكرانيا، حيث خط الجبهة ثابتٌ بشكلٍ أساسي، والحرب في منطقة الشرق الأوسط - الخليج، حيث تمكنت إيران، رغم افتقارها إلى وسائل عسكرية تقليدية على المستوى المطلوب، من خنق الاقتصاد العالمي بإغلاق مضيق هرمز، وأجبرت الولايات المتحدة على قبول تسوية مؤقتة وهشة في آن واحد. لكن هذه الحروب، وتلك التي سنواجهها على الأرجح في المستقبل القريب، لم يعد من المناسب النظر إليها من منظور صراع بين طرفين. ففي أي أزمة، تتزايد أعداد المصالح والجهات الفاعلة في الميدان باستمرار، كما يتزايد وزنها. لنأخذ الخليج على سبيل المثال. كان باكستان وقطر، لأسباب مختلفة، الوسطاء الأكثر نشاطًا في التوصل إلى الاتفاق. أما الخصم الرئيسي لإسرائيل اليوم، وسيظل كذلك في المستقبل القريب، فهو تركيا. وقد جربت الإمارات العربية المتحدة في هذه الأزمة دورًا عسكريًّا نشطًا ورائدًا. وستكون عُمان محور الإدارة الانتقالية لمضيق هرمز، بمثابة «شرطي محلي» مكلف بتنظيم حركة البضائع. في حين تعمل المملكة العربية السعودية بقيادة محمد بن سلمان بالفعل على تشكيل محور استراتيجي جديد، مكمل للمظلة الدفاعية لواشنطن ولكنه مستقل عنها، بالتعاون مع تركيا وباكستان، ويقوم على معادلة واضحة جدًا: فأنقرة تمتلك أحد أكبر الجيوش وأكثرها حداثة، وهي عضو مهم في حلف الناتو، وإسلام أباد تمتلك القنبلة النووية، والرياض تمتلك رؤوس أموال ضخمة لدعم أي مشروع.

صعود اللاعبين الجدد

إنها عودة «القوى المتوسطة»، وتجسيد لما أطلق عليه فريد زكريا قبل بضع سنوات اسم «صعود البقية» (rise of the rest)، جنبًا إلى جنب مع القوى العالمية الكبرى القديمة والجديدة. إن صعود دول مثل تلك المذكورة، وكذلك مصر والبرازيل وكينيا والهند، التي دعاها الرئيس ماكرون لحضور قمة مجموعة السبع في إيفيان، يشكل سيناريوًّا دوليًّا يشبه المستنقع، مكانًا غير مضيافٍ لكن لا أحد فيه يتمتع بسلطة مهيمنة حقًّا. وينطبق هذا بالتأكيد على العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، التي ستكون بطبيعة الحال النموذج الرئيسي للتطور الجيوسياسي في المستقبل القريب، ولكنه ينطبق بدرجة أكبر على الدور الاستراتيجي الموازن الذي ستلعبه القوى المتوسطة.

Loading...

المستقبل المجهول

أصبح البحر الأبيض المتوسط الآن بحرًا محوريًّا، يحتاج إلى نماذج للتنمية والتعاون والحكم أكثر فعالية مما كانت عليه في الماضي. لكن حتى اليوم، أثبتت جميع صيغ التعددية المعقولة عدم فعاليتها وكونها أيديولوجية أكثر من اللازم. أما قصة مجموعة «بريكس» (BRICS)، وهو الاختصار الذي أطلقه الرئيس التنفيذي لشركة «جولدمان ساكس» في عام 2001، فقد تبين، من الناحية الجيوسياسية، أنها لم تكن سوى شعارٍ لا أكثر. وينطبق الأمر نفسه على مفهوم «الجنوب العالمي» الأحدث عهدًا، وهو المحور الذي يربط بين أسواق جنوب العالم، والذي لا شك في أن ثقله العددي (الاقتصادي والديموغرافي على وجه الخصوص) كبير، لكن تماسكه الاستراتيجي ضعيف للغاية، بسبب تباين المصالح والقيم. الشرق الأوسط تعصف به توترات تاريخية وانقسامات تكاد تكون أنثروبولوجية. وتتغير أجندات الدول السياسية بشكل انتهازي مع تغير الظروف. وقد شهدنا دليلاً آخر على ذلك خلال الأسابيع التي شهدت الصراع مع إيران. فقد وقف العدو اللدود، المملكة العربية السعودية، متفرجاً في انتظار سقطة نظام آيات الله بشكل نهائي، في حالة من اليقظة والأمل. وعززت قطر دورها كرائدة دبلوماسية في المنطقة، وهي محصورة بين الحاجة إلى إحلال السلام ووجود أهم قاعدة بحرية أمريكية في الخليج. أما عُمان المسالمة، فهي تضم أقلية شيعية كبيرة على أراضيها، يتعين السيطرة عليها وتهدئتها. وقد اختبرت الإمارات العربية المتحدة جهازها العسكري الضخم بهدف إنهاء الأزمة في أسرع وقت ممكن والعودة إلى كونها «الجزيرة السعيدة» للمال والأعمال. أما تركيا في عهد أردوغان، فقد عادت لرفع راية معاداة إسرائيل (أكثر من كونها مؤيدة للفلسطينيين) وجعلت منها استراتيجية سياسية حقيقية، حيث وسعت نطاق مظلتها الحامية بشكل هائل لتشمل منطقة شاسعة تمتد من ليبيا إلى شمال العراق.

التوترات والحوار

في ظل هذه الظروف، تزيد احتمالات الدخول في صراع بين القوى المتوسطة عن احتمالات تحالفها. ومع ذلك، فإنها تمثل عاملاً جديداً وهاماً في المستقبل القريب. وهو عامل يجب أن يثير اهتمامنا نحن الأوروبيين والإيطاليين بشكل كبير. وقد بدأ بالفعل حوار متقدم مع كل من هذه الدول، لا يزال يعتمد بشكل مفرط على المصالح الاقتصادية والتجارية الهامة، ولا يعتمد بما يكفي على رؤية للحكم الجيوسياسي. فإذا كان مصير أوروبا يتحدد اليوم على الجبهة الشرقية، أي في أوكرانيا، فإنه سيتحدد في المستقبل القريب في الجنوب، في منطقة البحر الأبيض المتوسط. ومن مصلحتنا تعزيز الروابط الثنائية، بل وأيضًا بناء ثقة أوسع نطاقًا، تسمح على الأقل بترسيخ أساس أمني أدنى في المنطقة.

في عالم يعيد تنظيم نفسه وفقاً لمناطق نفوذ، وحيث يتعين التخلي عن «التعددية» في المبادئ دون أي حنين إلى الماضي، يتعين علينا إيجاد صيغ جديدة على وجه السرعة. إحدى هذه الصيغ، التي يمكن أن نسميها «التعددية المتعددة الأطراف»، ستسمح لنا بتكوين تحالفات غير تقليدية ولكنها لا تقل براغماتية، حول قضايا محددة ومصالح مشتركة. من المناخ إلى الديموغرافيا، ومن الطاقة إلى الزراعة، فإن الجهد المطلوب منا نحن الأوروبيين والإيطاليين هو إعادة صياغة قواعد اللعبة القليلة ولكن الأساسية. صعود القوى المتوسطة لا يخلق بالضرورة مزيداً من الفوضى، بل يضع الأسس لإحياء سياسة الكتل، والتي في عالم تتصادم فيه القوى الكبرى باستخدام الذكاء الاصطناعي، والطائرات بدون طيار والخنادق القديمة، قد يمثل الأمل في بقاء ذلك المثل القديم القائل: «حيث تمر البضائع، لا تمر الجيوش».

جميع الحقوق محفوظة ©
Loading...

Brand connect

Loading...