دور الأمم المتحدة في إعادة بناء الثقة: المساعدة الفنية في المشاريع الكبرى
تصدر القمم الدولية إعلانات وتضع أدوات يجب تفعيلها وتنفيذها: وتكمن الميزة النسبية لهذه المنظمات في طبيعتها المتعددة الأطراف. ويقدم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) مساهمته من خلال الوفاء بالالتزامات المالية والسياسية الصادرة عن القمم الدولية، ووضع قدرات المنظمة في خدمة المجتمع الدولي، سواء في القطاعين العام أو الخاص، من أجل بناء شراكات دائمة بين مختلف الجهات الفاعلة والبلدان في جميع أنحاء العالم
بقلم أغوستينو إنغوسشيو
أكد رئيس فنلندا، ألكسندر ستوب، أن جزءًا من التحديات الحالية يعود إلى الضعف التدريجي للنظام المتعدد الأطراف، وأن هذه الأزمة هي، بدورها، أزمة ثقة في المقام الأول. في الواقع، يتأمل ستوب في حقيقة أن التبادلات غير الرسمية خارج قاعات الاجتماعات الرسمية هي التي تدفع العمل إلى الأمام، من خلال بناء العلاقات الشخصية وفهم الرؤية المتبادلة للسياق العام. وإذا كان صحيحاً أن العلاقات الدولية تقوم أساساً على العلاقات الإنسانية، فمن الصحيح أيضاً أن هذه العلاقات تستند إلى الثقة والقدرة على تلبية التوقعات التي تُعول عليها هذه الثقة. وإعادة بناء هذه الثقة بعد انهيارها يتطلب مساراً طويلاً وصعباً. إن أهم ما نملكه – اليوم كما في أي وقت مضى – هو مصداقية كلمتنا وكيفية ترجمتها إلى أفعال ملموسة.
إن الأمم المتحدة، التي يرتبط بها النظام الدولي الحالي ارتباطًا وثيقًا، هي في الوقت نفسه ضحية لهذا الإحباط المتزايد وأداة محتملة لإعادة بناء الثقة بين الأطراف الفاعلة الدولية. وعلى وجه الخصوص، فإن أحد الجوانب التي يمكن من خلالها لهياكل الأمم المتحدة أن تسهم في مواجهة هذا التشكك، الذي يبدو أنه أصبح الآن أحد السمات السائدة في العلاقات بين الدول، هو دعم الدول في تنفيذ الالتزامات التي تعهدت بها في المحافل الدولية والحفاظ عليها، وهي المحافل التي أسفرت عن نتائج مهمة ووضعت الطريق نحو اعتماد أهداف وأدوات مشتركة مرتبطة بها، يمكن الانطلاق منها للنظر إلى المستقبل بواقعية ونهج بناء.
التحول
مع التحول الذي طرأ على نموذج الحوكمة العالمية، تغيرت ساحات اللقاء بين الدول، وأصبحت المنتديات غير الرسمية أكثر توجهاً نحو اتخاذ القرارات. فكرنا في منصات مثل مجموعة بريكس (BRICS)، ومجموعة السبع (G7)، ومجموعة العشرين (G20)، والعديد من المنتديات المتعددة الأطراف، التي تقوم على المصالح المشتركة ومعايير الانتماء الانتقائية. وتنبثق عن هذه اللقاءات قرارات وعمليات توجه عمل المنظمات الدولية أيضًا، وتحدد أهدافًا بعيدة المدى تعمل (أو على الأقل ينبغي أن تعمل) من أجلها سلسلة كاملة من الجهات الفاعلة العامة والخاصة.
في ظل الظروف الراهنة، يُقدَّر الطابع الأقل تقييدًا لهذه الصيغ، فضلاً عن إمكانية قيام الرئاسات السنوية بوضع أهداف استراتيجية واضحة ومرنة خلال فترة ولايتها، ثم اتخاذ القرار بشأن كيفية السعي لتحقيق تلك الأهداف على الصعيدين الثنائي والمتعدد الأطراف. من منظور سياسات التنمية والانتقال في ملف الطاقة، وهما موضوعان محوريان لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يتبادر إلى ذهني الرئاسة الإيطالية لمجموعة العشرين في عام 2021 التي أطلقت «الصندوق الإيطالي للمناخ» الذي تديره مؤسسة «كاسا ديبوزيتي إي بريستيتي» (Cassa depositi e prestiti)، بالإضافة إلى الالتزامات التي تم التعهد بها في مؤتمر الأطراف السادس والعشرين (COP26)، وأفكر في مبادرة «البوابة العالمية» (Global Gateway) التي أطلقتها المفوضية الأوروبية، وقبل كل شيء في الرئاسة الإيطالية لمجموعة السبع (G7) في عام 2024، التي تمكنت من بناء إجماع قوي بين جميع الأعضاء حول أولويات «خطة ماتي» (Piano Mattei) واعتماد نموذج جديد في التعامل مع القارة الأفريقية.
الدور
وهنا بالذات يمكن للمنظمات الدولية «التقليدية» أن تجد دورًا جديدًا — وشرعية جديدة — في إعادة بناء تلك الثقة التي تحدث عنها ستوب. تصدر القمم إعلانات وتضع أدوات يجب تفعيلها وتنفيذها: وفي طبيعتها المتعددة الأطراف، تتمتع هذه المنظمات بميزة نسبية يصعب على الدول الفردية محاكاتها، حيث تعمل كنقطة التقاء بين الكفاءة الفنية والتواجد في البلدان الشريكة. وهذه البلدان ليست مجرد المستفيدين النهائيين من هذه الإجراءات، بل هي أيضًا الضامنون للاستدامة المالية لنظام يعيد فيه المانحون التقليديون — وفقًا لتصنيف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) — توجيه أولوياتهم ومواردهم، مما يجعل من الضروري تعبئة أشكال جديدة من رأس المال بالتوازي مع إشراك جهات فاعلة جديدة في الساحة الدولية. إن تعبئة الموارد المالية العامة والخاصة وبرامج المساعدة الفنية الرامية إلى وضع مشاريع لجذب الاستثمارات هي بالذات محور عمل «خطة ماتي»، وتوفر إطار عمل محددًا يمكن للمنظمات الدولية من خلاله إثبات القيمة المضافة لعملها واستعادة الثقة بها. وقد أدى هذا الوضوح والتركيز إلى تحديد أهداف ملموسة، قرر أعضاء مجموعة السبع (G7) الاستفادة أيضًا من خبرة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي — الذي يُعد في جوهره وزارة التنمية الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة — من أجل تحقيق هذه الأهداف وتنفيذها.
