ليس فقط المنافسة الفرنسية

تونس تعيد بناء شبكة المياه. خريطة المشاريع والفرص والمنافسين

أكبر مختبر للإصلاح في شمال إفريقيا. تأسيس المنشآت والإدارة المتكاملة لدورة المياه: تحلية المياه، وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي، ورقمنة الشبكات، والرصد الذكي للتسربات. يتزايد حضور الشركات الفرنسية والإسبانية. فرص لخطة ماتي

بقلم بييرو ماتيكا

Impianto di desalinizzazione  Alamy Stock Photo

4' دقيقة قراءة

Translated by AI
Versione italiana

4' دقيقة قراءة

Translated by AI
Versione italiana

في منطقة البحر الأبيض المتوسط التي تشهد تغيرات تحت ضغط الأزمة المناخية والنمو السكاني والتنافس الجيوسياسي، تتحول تونس إلى واحدة من أهم مختبرات البنية التحتية في شمال إفريقيا. ليس فقط بسبب موقعها الاستراتيجي بين أوروبا وإفريقيا، بل وقبل كل شيء لأن قضية المياه أصبحت الآن مسألة تتعلق بالأمن القومي. من تونس إلى قابس، مروراً بصفاقس وحوض مجردة، يواجه البلد واحدة من أعمق عمليات إعادة هيكلة لنظامه المائي منذ استقلال البلاد. تشهد شبكات التوزيع مستويات عالية جدًا من التسرب، وتعاني الخزانات من التبخر والترسبات، بينما يزداد الضغط على طبقات المياه الجوفية عامًا بعد عام. ولهذا السبب، أصبح قطاع المياه التونسي ساحة صراع بين المجموعات الدولية الكبرى، والبنوك المتعددة الأطراف، والمشغلين المحليين، ونماذج الشراكة الجديدة بين القطاعين العام والصناعي.

لم يعد الأمر يقتصر على بناء المنشآت فحسب، بل أصبح يتعلق بالإدارة المتكاملة لدورة المياه بأكملها: تحلية المياه، وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي، ورقمنة الشبكات، والرصد الذكي للتسربات، وأمن البنية التحتية. ولا تزال هناك كيانان عامان رئيسيان في قلب النظام: الشركة الوطنية لتشغيل وتوزيع المياه (SONEDE)، المسؤولة عن توزيع المياه، والمكتب الوطني للصرف الصحي (ONAS)، الذي يدير شبكة الصرف الصحي ومحطات المعالجة. وتعمل كلتا المؤسستين في ظل ظروف معقدة: فمن ناحية، عليهما الحفاظ على الطابع العام للخدمة، ومن ناحية أخرى، تحتاجان إلى استثمارات تكنولوجية ومالية ضخمة لتحديث الشبكات المتقادمة.

Loading...

المشاريع المستقبلية

في السنوات الأخيرة، تخلت الحكومة التونسية تدريجيًّا عن فكرة الخصخصة المباشرة، حيث فضلت نماذج التعاون الصناعي والامتيازات التشغيلية والشراكات التكنولوجية. وهو خيار يعكس أيضًا الإطار السياسي الجديد للبلاد، الذي يتسم بمركزية شديدة ولكنه يهدف إلى الحفاظ على سيطرة الدولة على الأصول الاستراتيجية. وفي هذا السياق، تنشط مجموعة كبيرة من الشركات الدولية. وتحتفظ المجموعات الفرنسية بحضور تاريخي، لا سيما في قطاعي معالجة مياه الصرف الصحي والاستشارات الهندسية. ومن بين الجهات الأكثر نشاطًا، تبرز الشركات الكبرى المتخصصة في إدارة شبكات المياه الحضرية وامتيازات معالجة مياه الصرف الصحي. لكن إسبانيا هي الطرف الذي يجب متابعته. وبالتوازي مع ذلك، يتزايد وزن الشركات الإسبانية، التي تُعتبر اليوم من بين المراجع العالمية الرئيسية في مجال تحلية المياه بالتناضح العكسي. وتعمل شركات مثل Tedagua وAcciona وGS Inima وCox وAlmar Water Solutions على تعزيز مكانتها في المنطقة بفضل الخبرات التي اكتسبتها في إسبانيا والخليج وشمال إفريقيا.

ومن بين هذه الشركات، تُعد «تيداجوا» واحدة من أكثر الشركات حضوراً. وقد تم اختيار هذه الشركة، التابعة لمجموعة «كوبرا»، جنباً إلى جنب مع مجموعة «أوراسكوم للإنشاءات» المصرية وشركة «ميتيتو» الإماراتية، للمشاركة في مشروع محطة تحلية المياه الضخمة في صفاقس، التي تُعد واحدة من أضخم مشاريع البنية التحتية للمياه. وستبلغ الطاقة الاستيعابية الأولية للمحطة، التي تمولها الوكالة اليابانية للتعاون الدولي، 100 ألف متر مكعب يوميًا، مع إمكانية التوسع في المستقبل. كما أن النموذج الصناعي لشركة «كوكس» يحظى باهتمام كبير من قبل المحللين الإقليميين. وتعمل المجموعة الإسبانية، التي تنشط على نطاق واسع في مجال الإدارة المتكاملة للمياه والطاقة، على الترويج لنهج يجمع بين تحلية المياه والطاقة الكهروضوئية والبنى التحتية للطاقة. وتعد هذه الصيغة مثيرة للاهتمام بشكل خاص بالنسبة لشمال إفريقيا، حيث ستعتمد الاستدامة الاقتصادية للمحطات بشكل متزايد على القدرة على دمج إنتاج المياه والطاقة المتجددة.

تحلية المياه

، تعتبر تونس محطات تحلية المياه الركيزة الجديدة للأمن المائي الوطني. وتمثل مشاريع زارات وجربة وصفاقس وقابس شبكةً استراتيجيةً من شأنها تغيير التوازنات في البلاد بحلول عام 2035. وفي هذا القطاع، يمكن للشركات أن تفتخر بخبرتها التي اكتسبتها من خلال المشاريع الكبرى في منطقة الخليج وغرب البحر الأبيض المتوسط. كما أن الشركات الآسيوية تعمل على تعزيز وجودها. تتجه أنظار المجموعات الصينية بشكل خاص إلى الأشغال المدنية الكبرى وممرات نقل المياه بين الشمال الأكثر ثراءً بالموارد والمناطق الجنوبية. وتستند قدرتها التنافسية إلى قدرتها على تقديم حزم متكاملة: التمويل، والبناء، وتوريد التكنولوجيا. وهي صيغة وجدت لها مكانًا بالفعل في قطاعات البنية التحتية الأفريقية الأخرى. كما تظهر في السيناريو التونسي الجديد روابط مهمة مع الرأسمالية البنية التحتية في الشرق الأوسط. ولا يزال اسم نجيب ساويرس محط اهتمام كبير في الأوساط المالية الشمال أفريقية بفضل قدرته التاريخية على بناء شبكات صناعية وبنية تحتية تربط بين البحر الأبيض المتوسط والخليج وأفريقيا.

الشركات المحلية

إلى جانب الشركات الدولية العملاقة، هناك أيضًا منظومة تونسية تزداد تعقيدًا. وتسعى شركات الهندسة وشركات البناء والمقاولون الكهروميكانيكيون والمجموعات المالية المحلية إلى حجز مكان لها في المناقصات العامة المستقبلية. وتسعى بعض الشركات التونسية إلى أن تصبح شركاء صناعيين متميزين للشركات متعددة الجنسيات الكبرى، لا سيما في مجال إدارة مواقع البناء وصيانة الشبكات والخدمات اللوجستية الإقليمية. وستكون الرقمنة عاملاً حاسماً في هذا الصدد. وتعمل الحكومة على تسريع إدخال منصات إلكترونية للمناقصات العامة ومراقبة البنية التحتية. ومن المتوقع أن يسهم نظام «تونيبس» (TUNEPS)، المقرر أن يصبح إلزامياً في العديد من القطاعات الاستراتيجية، في زيادة شفافية الإجراءات والحد من التجزئة الإدارية. وبالنسبة للشركات الدولية، يعني ذلك القدرة على العمل في إطار أكثر توحيدًا وتوافقًا مع قواعد البنوك المتعددة الأطراف الكبرى. ويُعد دور المؤسسات المالية الدولية بالذات أحد أهم العوامل في المرحلة التونسية الجديدة.

يدعم البنك الأوروبي للاستثمار، والبنك الأفريقي للتنمية، والبنك الدولي جزءًا كبيرًا من مشاريع المياه المنصوص عليها في الخطة للفترة 2026-2030. ولن تقتصر البنى التحتية الجديدة على إنتاج مياه الشرب فحسب. فسيكون أحد أهم التحديات هو إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة. وتسعى تونس إلى زيادة استرداد المياه بشكل كبير للاستخدام الزراعي والصناعي، مما يقلل من الضغط على الموارد الطبيعية.

شركات التكنولوجيا

وهذا يفتح آفاقًا هائلة لتقنيات متطورة في مجالات الترشيح، وأجهزة الاستشعار، والإدارة الذكية للشبكات. ولن يكفي بناء منشآت جديدة فحسب: بل سيكون من الضروري ربط عمليات تحلية المياه، ومعالجة مياه الصرف الصحي، والشبكات الحضرية، والطاقة المتجددة، والأنظمة الرقمية في إطار بنية تشغيلية واحدة. في هذا السياق، قد تضطلع الشركات التكنولوجية الكبرى بدور أكثر أهمية حتى من شركات البناء التقليدية. تتطلب محطات تحلية المياه كميات هائلة من الكهرباء، وسيتعين على تونس تجنب أن تؤدي ضمان أمن المياه إلى خلق تبعية جديدة في مجال الطاقة. ولهذا السبب، تدرس العديد من المشاريع بالفعل إمكانية دمج الطاقة الكهروضوئية وتخزين الطاقة وأنظمة كفاءة الطاقة. والإمكانات الاقتصادية هائلة. فشبكات المياه التونسية تحتاج إلى استثمارات بمليارات اليورو في مجالات الصيانة والتوسعات والتكنولوجيات الجديدة. يضاف إلى ذلك ممرات نقل المياه، وأنظمة منع التسرب، وخزانات التخزين الجديدة، والمنشآت الساحلية. تفتح أمام إيطاليا و«خطة ماتي» فرص ملموسة. ويُعد نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص مثاليًّا للدخول في هذا المجال. لكن يجب مراقبة المنافسة الإسبانية عن كثب، فهي – على عكس المنافسة الفرنسية – تتحرك بسرعة ودون ضجة إعلامية كبيرة. تمثل تونس اليوم حقل تجارب لمستقبل منطقة البحر الأبيض المتوسط. وإذا نجح هذا البلد في بناء نظام مائي رقمي ومستدام، فقد يصبح نموذجًا مرجعيًّا لدول أخرى في المنطقة التي تواجه ضغوطًا مناخية ونموًّا حضريًّا ونقصًا في الموارد. نحن أمام معركة استراتيجية قد تعيد تعريف التوازنات الاقتصادية لمنطقة البحر الأبيض المتوسط بأكملها خلال السنوات العشر المقبلة.

جميع الحقوق محفوظة ©
Loading...

Brand connect

Loading...