تركيا تتصدر التجارة المرفئية في منطقة البحر الأبيض المتوسط
نشرت «Srm»، وحدة الأبحاث التابعة لـ«IntesaSanpaolo»، تقريرًا حول السيناريو المتعلق بالنظام البحري المتكامل. ويؤدي مضييق هرمز وعملية «إلغاء العولمة» إلى تحفيز حركة النقل داخل الحوض البحري، مما يحسّن اقتصاد الحجم. وتحتل إسطنبول المرتبة الأولى مرة أخرى. وأداء إيطاليا وإسبانيا جيد. ويزدهر الاقتصاد في ليبيا وتونس.
من 24Ore NextMed
ai preferiti su Google
النقاط الرئيسية
لقد أعادت مضيق هرمز والتكنولوجيات الجديدة وعملية «إلغاء العولمة» تشكيل قطاع الشحن البحري والأنماط اللوجستية. ومن هذه «الخلاط» الذي لا يزال يدور، يخرج البحر الأبيض المتوسط أكثر قوة. فهو يرسم نطاقًا يتميز في آن واحد بمزيد من الاستقرار، وثبات التدفقات، وفي الوقت نفسه الانفتاح على المحيطات. لم يعد بالإمكان اعتبار المرونة اللوجستية موضوعًا تقنيًّا قطاعيًّا: بل هي مسألة استراتيجية وطنية. وبالنسبة لإيطاليا، يعني ذلك الاستثمار في آن واحد في الموانئ، والربط متعدد الوسائط، والتقنيات الرقمية، والطاقة، وتبسيط الإجراءات الإدارية، والقدرة على المراقبة. وهذا هو الملخص الموجز للـ 182 صفحة من تقرير «الاقتصاد البحري الإيطالي 2026». تصف «SRM»، وهي مؤسسة أبحاث تابعة لـ«IntesaSanpaolo» ويديرها ماسيمو دياندريس، اقتصاداً بحرياً دخل مرحلة جديدة، تتسم بعدم الاستقرار الجيوسياسي، والانتقال الطاقي، والابتكار التكنولوجي، وإعادة تحديد المسارات العالمية. لا يزال التجارة الدولية تعتمد بشكل حاسم على البحر، لكن الطرق البحرية اليوم لم تعد مجرد بنى تحتية لوجستية: فقد أصبحت أصولاً استراتيجية، تؤثر هشاشتها بشكل مباشر على النمو والأمن الاقتصادي والقدرة التنافسية الصناعية ومرونة سلاسل التوريد. بعبارة أخرى، فإن العصر الحالي هو عصر «نقاط الاختناق» (chokepoints)، أي الاختناقات البحرية واللوجستية. فقد أصبحت المضائق والقنوات والمراكز المرفئية والممرات الطاقية وحتى البنى التحتية الرقمية أو الإنتاجية المركزة في أماكن قليلة نقاطًا تُقاس فيها العلاقة بين الترابط والسلطة. وتظل سلاسل التوريد، على الرغم من التصريحات، طويلة ومتكاملة، لكنها أكثر عرضة للأزمات الإقليمية والحروب والضغوط الحمائية والاستخدام السياسي للتبعية الاقتصادية. في الواقع، يتحدث التقرير عن «تسليح» حقيقي للتدفقات، أي عن ميل الدول إلى تحويل الترابط التجاري والطاقي واللوجستي إلى أداة ضغط استراتيجي.
Mare nostrum
في هذا السياق، يعود البحر الأبيض المتوسط ليحتل مكانة محورية حاسمة. فهو ليس مجرد مسار عبور، بل منطقة تلتقي فيها أوروبا وآسيا وأفريقيا، فضلاً عن كونه محوراً حاسماً للممرات الجديدة للبنية التحتية والتجارة. وبالنسبة لإيطاليا، يمثل هذا السيناريو خطرًا وفرصة في آن واحد: خطرًا، لأن اقتصادًا بهذه الدرجة من الانفتاح والاعتماد على التجارة البحرية يتأثر فورًا بأي اضطرابات تطرأ على الطرق البحرية؛ وفرصة، لأن موقعها الجغرافي وشبكة موانئها ودورها في البحر الأبيض المتوسط يمكن أن يعزز وزنها الجيو-اقتصادي. وبالتعمق في تفاصيل تحليل التبادلات داخل الحوض، يتضح من ناحية انخفاض طفيف في الخدمات وزيادة في أحجام البضائع المنقولة والمناولة.
التبادلات
في عام 2025، سجل حركة نقل الحاويات داخل منطقة البحر الأبيض المتوسط نموًا إجماليًا بنسبة 6,3% مقارنة بعام 2024، مما يؤكد الاتجاه الإيجابي لهذا القطاع، وإن لم يكن هذا النمو متساويًا بين مختلف البلدان. وفيما يتعلق بتدفقات الشحن الصادرة، تظل تركيا السوق الإقليمية الرئيسية بأكثر من مليون وحدة مكافئة لعشرين قدمًا (+0,7%)، لتغطي حوالي ثلث الإجمالي: وهو رقم يسلط الضوء على متانة نظام أصبح ناضجًا الآن فيما يتعلق بحركة النقل الداخلية، ويتميز بأحجام كبيرة ولكن بهوامش نمو أكثر محدودية. ويليها مصر (502 ألف وحدة مكافئة للحاوية، +12٪) وإسبانيا (467 ألف حاوية قياسية، حوالي +20٪) اللتان تظهران ديناميكيات أكثر توسعية، مما يشير إلى تعزيز دورهما كمركزين لوجستيين إقليميين، في حين تُظهر إيطاليا، بحوالي 372 ألف حاوية قياسية (+5,7٪)، نموًا أكثر اعتدالًا وموقعًا مستقرًا نسبيًا. أما النمو القوي الذي سجلته ليبيا وتونس، على الرغم من أهميته من حيث النسب المئوية، فلا يزال مرتبطاً بأحجام مطلقة محدودة، لكنه يشير مع ذلك إلى مؤشرات على نشاط حركة النقل الداخلية. كما تتسم التدفقات الواردة ببنية متنوعة، حيث تحتل تركيا الصدارة، تليها إسرائيل والمغرب والجزائر وإسبانيا وإيطاليا، مما يؤكد وجود نظام للتبادل التجاري داخل المنطقة يتسم بالتكامل المتزايد، لا سيما بين الضفتين الشرقية والجنوبية للحوض. ورغم أن هذه الأحجام تمثل حصة ضئيلة مقارنة بحركة الشحن الإجمالية لكل نظام مينائي على حدة — حيث تبلغ حوالي 11% بالنسبة لتركيا و5% بالنسبة لإيطاليا والجزء المتوسطي من إسبانيا — فإنها تكتسب أهمية استراتيجية كبيرة. فالتجارة داخل البحر الأبيض المتوسط تولد تدفقات منتظمة ومتكررة، تتميز بالقرب الجغرافي والوتيرة العالية، مما يسهم في استقرار استخدام البنية التحتية المرفئية وتعزيز الترابط الاقتصادي بين دول المنطقة. علاوة على ذلك، لعبت هذه الحمولات دورًا حاسمًا خلال فترات الأزمات الأخيرة التي شهدها النظام اللوجستي العالمي، عندما تم تحويل المسارات البحرية الرئيسية عبر رأس الرجاء الصالح. وفي هذا السياق، ساهمت الروابط داخل منطقة البحر الأبيض المتوسط في التخفيف من انقطاعات التدفقات العالمية، مما كفل استمرارية تشغيلية أكبر وعزز مرونة النظام المينائي في البحر الأبيض المتوسط. وبشكل عام، لا يمثل النقل داخل البحر الأبيض المتوسط قطاعاً هامشياً، بل عنصراً هيكلياً في النظام اللوجستي الإقليمي، وهو أمر أساسي لكل من الاستقرار التشغيلي وتعزيز التكامل الاقتصادي بين مختلف ضفاف الحوض.
العلاقة الرومانسية
يدخل النظام البحري العالمي مرحلة تختلف هيكليًّا عن الماضي: فلم تعد المسارات مجرد ممرات لوجستية، بل أصبحت أصولًا استراتيجية معرضة لمخاطر جيوسياسية متزايدة. إن التوترات على طول نقاط الاختناق الرئيسية وتفكك التوازنات الدولية تفرض إعادة تنظيم سلاسل التوريد بهدف تعزيز المرونة، مع ما يترتب على ذلك من آثار مباشرة على التكاليف والمهل الزمنية وتكوين حركة النقل. وفي هذا السياق، لا يتقلص حجم التجارة العالمية، بل يتم إعادة توزيعها على مسارات إقليمية ومتعددة الأقطاب بشكل متزايد، مدعومة باتفاقيات جديدة وتطوير ممرات بديلة تتنافس مع المسارات التقليدية. وفي الوقت نفسه، يعزز قطاع الشحن هيكله الاحتكاري، بينما تعمل التحالفات وعمليات الاندماج والاستحواذ على تعزيز سيطرة كبار المشغلين على الشبكات العالمية. وبذلك تنتقل المنافسة من الحجم إلى الأداء: لم يعد الحجم وحده هو الذي يحدد الريادة، بل القدرة على الجمع بين الربط والكفاءة التشغيلية. ومن منظور مستقبلي، ستعتمد القدرة التنافسية للأنظمة البحرية، بالتالي، على القدرة على دمج الموانئ والبنى التحتية وسلاسل القيمة في إطار منطق نظامي متكامل. وفي هذا السياق، تتمتع إيطاليا بميزة جغرافية مهمة، لكن الاستفادة منها تتطلب تعزيز التكامل اللوجستي، وزيادة الاستثمارات في البنية التحتية، ووضع استراتيجية واضحة لتحديد موقعها ضمن التوازنات الجديدة للتجارة الدولية. ومن الواضح أن فصلاً كاملاً من التقرير مخصص لمضيق هرمز. ويُوصف المضيق في المقام الأول بأنه «ممر ضيق» للطاقة، لكن آثاره تتجاوز النفط والغاز: فهو يشمل الحاويات، وصناعة السيارات، والكيماويات، والأسمدة، والمواد الحيوية، وأشباه الموصلات. قبل الأزمة، كانت كميات كبيرة من النفط الخام والمنتجات المكررة والمواد الكيميائية والمركبات تمر عبر هذا الممر الاستراتيجي في الشرق الأوسط؛ وقد أدى انهيار حركة النقل وتغيير مسارات الرحلات إلى ارتفاع تكاليف التزويد بالوقود، وأقساط التأمين، وازدحام الموانئ، وتقلب أسعار الشحن، مع ما يترتب على ذلك من آثار على منطقة البحر الأبيض المتوسط أيضًا.
أوروبا
ثم يمتد هذا التفكير ليشمل أوروبا. ووفقًا للتقرير، فقد اعتمد الاتحاد الأوروبي بشكل كبير على سلطته التنظيمية، لكنه يعاني من تأخيرات على صعيد التكامل في مجالات الطاقة والمالية والبنية التحتية والدفاع. ولا يمكن أن تعني الاستقلالية الأوروبية الانغلاق، بل تنويع المصادر والشركاء والطرق. ولهذا السبب، يصبح التحكم في العقد اللوجستية والممرات والموانئ الخلفية وتطويرها جزءًا من سياسة صناعية واستراتيجية حقيقية. وفي هذا الإطار، تندرج مشاريع مثل «إيميك» (Imec) و«غلوبال غيتواي» (Global Gateway)، وبشكل ضمني، دور إيطاليا كمنصة أوروبية-متوسطية.
