الاستراتيجيات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

موروثات غير متجانسة. البلقان البراغماتيون يتطلعون إلى الخليج في تشكيلات متباينة

استفادت صربيا من الحياد الجيوسياسي الذي ورثته عن القرن الماضي، فأقامت علاقة تفضيلية مع الإمارات العربية المتحدة. وتبعتها الجبل الأسود. والعلاقات بين كرواتيا وإسرائيل. وألبانيا ومسألة المنشقين الإيرانيين

بقلم لاريس غايزر

Il presidente serbo, Aleksandar Vucic, passa in rassegna la guardia d’onore in occasione di una visita all’estero.   REUTERS

3' دقيقة قراءة

Translated by AI
Versione italiana

3' دقيقة قراءة

Translated by AI
Versione italiana

في عام 1961، في بلغراد، أطلقت يوغوسلافيا بقيادة يوسيب بروز تيتو، إلى جانب مصر بقيادة عبد الناصر والهند بقيادة نهرو، اسم «حركة دول عدم الانحياز». على مدى ثلاثة عقود، كانت الاتحاد البلقاني أكثر بكثير من مجرد جار جغرافي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA): فقد كانت جسراً دبلوماسياً، وشريكاً أيديولوجياً، وعملاقاً في مجال البنية التحتية، حيث كانت شركاتها تبني السدود من نهر الفرات إلى المغرب العربي. اليوم، بعد مرور خمسة وثلاثين عامًا على نهاية يوغوسلافيا، تعمل الدول التي نشأت عن تفككها، كلٌّ على طريقتها الخاصة، على جمع شتات ذلك الإرث التاريخي. لم تعد دول يوغوسلافيا السابقة متحدة تحت راية أيديولوجية واحدة، بل أصبحت منقسمة ومتنافسة ومدفوعة ببرغماتية اقتصادية صارمة، وهي – إلى جانب جارتها ألبانيا – تعيد رسم حدود التعاون الأوروبي-المتوسطي.

إذا كانت يوغوسلافيا الاشتراكية تنظر إلى العالم العربي من منظور مناهض للإمبريالية، فإن صربيا الحالية تنظر إلى الخليج الفارسي من منظور الواقعية المالية. وتعد بلغراد محور هذا التحول. فمن خلال الاستفادة من الحياد الجيوسياسي الذي ورثته من القرن الماضي، أقامت صربيا علاقة تفضيلية مع الإمارات العربية المتحدة، بلغت ذروتها بدخول «اتفاق الشراكة الاقتصادية الشاملة» (CEPA) حيز التنفيذ.

Loading...

الإمارات العربية المتحدة

يُقاس تأثير هذا الاتفاق على الأرض وفي الأجواء. ففي قطاع الطيران، سمحت الشراكة التاريخية مع شركة الاتحاد للطيران (Etihad Airways) لشركة الطيران الوطنية «إير صربيا» بتجديد أسطولها وخطوطها الجوية، مما حوّل بلغراد إلى المحور الجوي الرائد في منطقة البلقان قبل أن تستعيد الدولة السيطرة الكاملة عليها. لكن المجال الزراعي هو الذي تشهد فيه هذه الشراكة أهم معركة استراتيجية: فقد استحوذت شركة «الدهرا» الإماراتية العملاقة على شركة «PKB» التاريخية، وحصلت بذلك على حوالي 17,000 هكتار من الأراضي الزراعية بالقرب من العاصمة. وهو استثمار يتجاوز 400 مليون دولار أعاد تعريف مفهوم الأمن الغذائي في منطقة الخليج.

من ناحية أخرى، وعلى الرغم من التوتر المؤقت الذي شهدته العلاقات في عام 2020 بسبب اعتراف إسرائيل بكوسوفو، تم مؤخرًا إعادة تأكيد التقارب بين إسرائيل وصربيا من خلال إطلاق حوار استراتيجي رسمي وبدء المفاوضات لتوقيع اتفاقية تجارة حرة تهدف إلى إزالة الحواجز الجمركية، وذلك في إطار تعتبر فيه إسرائيل إحدى الوجهات الرئيسية للصادرات الصربية خارج الحدود الأوروبية.

إسرائيل

أما في الغرب، فتلعب كرواتيا ورقة الاندماج الأوروبي. وبصفتها عضوًا في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، تسير زغرب على خطى استراتيجيات الاتحاد من أجل البحر الأبيض المتوسط، ولكن مع تركيز لوجستي قوي. وقد أصبح المحور الذي يربط بين ميناء رييك في كرواتيا وميناء الإسكندرية في مصر ممرًا حيويًا للبضائع التي تمر عبر قناة السويس متجهةً إلى أوروبا الوسطى. وفي الوقت نفسه، يضمن الوجود التاريخي لشركة الطاقة «إينا» (INA) في مصر استقرار الإمدادات، بينما ينفتح سوق العمل الكرواتي أمام آلاف العمال من شمال إفريقيا. ومع ذلك، فإن السياسة الجيوسياسية الكرواتية تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعاني من توترات داخلية: ففي حين تحافظ الحكومة على تعاون قوي مع إسرائيل في مجال المعاهدات الضريبية والدفاع، أدت الانتقادات الشديدة التي وجهها الرئيس زوران ميلانوفيتش للسلوك الإسرائيلي في غزة إلى تجميد العلاقات الدبلوماسية مع السفير الجديد لتل أبيب في زغرب.

ويكتمل هذا المشهد بوجود الجمهوريات الصغيرة في منطقة يوغوسلافيا السابقة. فقد ركزت الجبل الأسود جهودها الأوروبية-البحرية على السياحة الفاخرة. وقد استثمر صندوق دبي السيادي (ICD) أكثر من 500 مليون يورو في تيفات لإنشاء «بورتو مونتينيغرو»، الميناء السياحي الرئيسي لليخوت الفاخرة في المنطقة. أما مقدونيا الشمالية، التي لا تطل على البحر، فتركز بدورها على الربط عبر «الممر 10»، حيث تصدر منتجات زراعية متخصصة إلى شمال إفريقيا وتستورد الهيدروكربونات المكررة.

المعارضون الإيرانيون

أما ألبانيا – على الرغم من أنها ليست دولة من دول يوغوسلافيا السابقة، لكنها مندمجة تمامًا في هذه الديناميكية الإقليمية – فتستخدم الدبلوماسية الطائفية لجذب رؤوس الأموال من دول الخليج. ويتغير وجه تيرانا ودرادس بفضل شركة «إيجل هيلز»، وهي شركة من أبوظبي يقودها محمد العبار. ومن خلال مشروع مشترك بنسبة 67٪، يستثمر الإماراتيون 2 مليار يورو في مشروع «دوريس يختس آند مارينا»، لتحويل الميناء التجاري التاريخي إلى مركز سياحي راقي. لكن «بلاد النسور» هي أيضًا مسرح لعبة استخباراتية معقدة: ففي مانيز، داخل معسكر أشرف 3 المحصّن، يقيم حوالي 3000 من المنشقين الإيرانيين التابعين لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية (MEK). وقد تم إجلاؤهم من العراق تحت رعاية الولايات المتحدة وبدعم من إسرائيل، وأدى وجودهم إلى تحويل ألبانيا إلى هدف لهجمات إلكترونية عنيفة من جانب طهران، مما جعل البحر الأدرياتيكي خطاً أمامياً في الحرب الباردة في الشرق الأوسط.

بعد مرور أكثر من ستين عامًا على مؤتمر بلغراد، لا يزال البحر الأبيض المتوسط والبلقان يتواصلان. وقد أفسحت التضامن الأيديولوجي الذي ساد في الماضي المجال أمام المشاريع المشتركة والطرق التجارية والاستثمارات السيادية. لكن الجغرافيا لا يمكن محوها: فالبلقان الغربية تظل الحلقة الوصلية التي لا غنى عنها بين أوروبا والجزء الجنوبي من العالم.

جميع الحقوق محفوظة ©
Loading...

Brand connect

Loading...