تحركات الروبية الهندية نحو منطقة الساحل، بفضل جسر الخليج
الخطوات الأولى نحو تدويل عملة نيودلهي. إن إطلاق حسابات «Special Rupee Vostro» وإبرام الاتفاقيات مع الإمارات العربية المتحدة يسهلان عمليات التبادل الثلاثي أيضًا في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث تتقاطع المصالح الإيطالية
النقاط الرئيسية
تحت سطح المعاملات السائدة بالدولار، هناك تحركات جارية. ولا يتعلق الأمر بالتأكيد بصعود الروبية الهندية لتصبح عملة عالمية، بل بمحاولات لإطلاق نماذج جديدة للمعاملات لا تقتصر فيها دور الهند والإمارات العربية المتحدة وأفريقيا وحتى أوروبا على مجرد دور المتفرج. إذا بدأت الهند في استخدام عملتها بشكل أكبر للدفع والتحصيل والاستثمار والربط مع شركائها التجاريين، فما الذي سيتغير بالنسبة للشركات الأوروبية؟ وما الذي سيتغير بالنسبة لبلد مثل إيطاليا، التي ترى في نيودلهي سوقًا استراتيجيًا متزايد الأهمية، لكنها لا تزال جزءًا من نظام مالي معتاد على التفكير باليورو والدولار؟ الإجابة ليست مباشرة، بل تتضمن سلسلة من الافتراضات. ونقطة الانطلاق هي بالطبع الهند. فالاقتصاد الكبير لا يصبح تلقائيًا عملة دولية كبرى، لكن بدون اقتصاد كبير لا يمكن لأي عملة أن تأمل في أن تصبح كذلك. وقد أصبحت الهند الآن تتمتع بكتلة حرجة تدفع الشركات والبنوك والحكومات إلى النظر إلى الروبية باهتمام أكبر. وقد بدأت الهند بالفعل في اتخاذ خطواتها الملموسة الأولى.
البنك المركزي الهندي
أنشأ بنك الاحتياطي الهندي إطارًا لتسوية التجارة الدولية بالروبية من خلال حسابات خاصة، تُعرف باسم «حسابات الروبية الخاصة (Special Rupee Vostro Accounts)»، تفتحها البنوك الأجنبية لدى البنوك الهندية المرخصة. وإذا باع مصدّر أجنبي سلعًا إلى الهند، فيمكن أن يتلقى مدفوعاته بالروبية؛ وإذا بقيت تلك الروبيات في الدائرة المصرفية الهندية، فيمكن إعادة استخدامها في معاملات تجارية أخرى أو، وفقًا لقواعد محددة، في استثمارات مسموح بها. إنها آلية تقنية، لكن أهميتها السياسية واضحة. فكلما قلت المعاملات الإلزامية بالدولار، قلّت الاحتكاكات، وقلّت التعرض للصدمات الخارجية، وزاد هامش المناورة. تعد الهند الشريك التجاري التاسع للاتحاد الأوروبي في مجال السلع، في حين تظل أوروبا أحد المستثمرين الرئيسيين في البلاد، حيث بلغ رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الهند 132,8 مليار يورو في عام 2024. من ناحية أخرى، لا تملك أوروبا حافزاً لتحويل فواتيرها إلى الروبية. وهنا يكمن السؤال الأول: هل يمكن للروبية أن تزداد أهمية في المدفوعات دون أن تصبح العملة المهيمنة في الفواتير؟ فالتحويل المصرفي الأسرع بين أوروبا والهند، ربما بفضل الربط بين أنظمة الدفع الفوري، لا يعني بالضرورة أن آلة تصنيع إيطالية تُباع في بوني سيتم تسعيرها تلقائيًا بالروبية. وقد حددت «بنك التسويات الدولية» من خلال «مشروع نيكساس» اتجاهًا محددًا: ربط أنظمة الدفع الفوري الوطنية للسماح بتحويلات عبر الحدود في أوقات أسرع بكثير. من جانبه، بدأ البنك المركزي الأوروبي أعمالًا استكشافية لربط نظام TIPS، وهو نظام الدفع الفوري الأوروبي، بنظام UPI، البنية التحتية الهندية. بالنسبة للقارئ غير المتخصص، الفرق هو التالي: تحسين المسارات لا يعني تغيير عملة التذكرة على الفور. لكن تحسين المسارات يجعل من الأسهل، في المستقبل، اختيار مسارات جديدة.
محطات التبادل
بالنسبة لإيطاليا، فإن هذا التحول أقل تجريدية مما يبدو عليه. ففي عام 2024، بلغت قيمة التبادل التجاري الثنائي بين إيطاليا والهند حوالي 14,3 مليار يورو، حيث بلغت الصادرات الإيطالية إلى الهند 5,2 مليار يورو، بينما بلغت الواردات من الهند 9,1 مليار يورو. وقد حددت الحكومة الإيطالية هدفًا يتمثل في رفع حجم التبادل التجاري إلى 20 مليار يورو بحلول عام 2029. ولا يُعد هذا الهدف مجرد هدف شكلي. فالهند تُعد بالفعل واحدة من أهم الأسواق الآسيوية للمنتجات الصناعية الإيطالية، لا سيما في مجالات الآلات والإلكترونيات والكيماويات والمعادن. وهي قطاعات يُعد فيها السعر وسعر الصرف ومواعيد السداد والائتمان التجاري عوامل بالغة الأهمية. فإذا أصبح جزء من المدفوعات مع الشركاء الهنود أكثر سلاسة أو أقل تكلفة أو أقل اعتمادًا على الدولار، فقد يكون التأثير على الشركات الإيطالية ملموسًا.
المخاطر
لكن التأثير لن يكون إيجابياً بالكامل ولا تلقائياً. لذلك، ينبغي على إيطاليا، التي تتمتع بنسيج إنتاجي يتألف من العديد من الشركات التصديرية المتخصصة، ألا تنظر إلى الروبية باعتبارها رمزًا جيوسياسيًا، بل باعتبارها مشكلة تشغيلية: فهناك حاجة إلى بنوك مجهزة، وأدوات تحوط ميسورة، وبنود تعاقدية واضحة، وخبرات في مجال الخزانة منتشرة حتى خارج العواصم المالية الكبرى. كما أن للجهود الإيطالية بعدًا صناعيًا. فإذا أرادت الهند تدويل الروبية، فعليها أن تقدم لمن يتلقاها سببًا للاحتفاظ بها أو إعادة استخدامها. وهنا يمكن للشركات الإيطالية أن تجد مجالًا لها. فالآلات، والتقنيات الخاصة بالقطاع الزراعي الغذائي، والمكونات، والطاقة النظيفة، والتنقل المستدام، والكيماويات المتخصصة، وتقنيات معالجة النفايات، هي مجالات تتمتع فيها إيطاليا بالخبرة وتوجد فيها طلب من جانب الهند. تكتسب الروبية مصداقية أكبر عندما لا تظل راكدة في حساب ما، بل يمكن إنفاقها لشراء سلع وخدمات مفيدة. بعبارة أخرى، فإن العولمة النقدية ليست مجرد مسألة تتعلق بالبنوك المركزية فحسب: إنها أيضًا مسألة تتعلق بالكتالوجات الصناعية، والموردين الموثوقين، وخدمة ما بعد البيع، وسلاسل التوريد المحلية، والقدرة على تحويل الرصيد المالي إلى استثمار حقيقي.
ممر الإمارات العربية المتحدة والهند
إلا أن الممر الأكثر إثارة للاهتمام لا يمر مباشرة من روما إلى نيودلهي. بل يمر عبر الخليج. وتُعد الإمارات العربية المتحدة نقطة وصل أساسية لأنها تجمع بين الطاقة والمالية والخدمات اللوجستية والذهب وتجارة إعادة التصدير وجالية هندية كبيرة. وقد أنشأت الهند والإمارات العربية المتحدة آلية للتسوية بالعملات المحلية، الروبية والدرهم، وأشارت وزارة الخارجية الهندية إلى أن المعاملات المتعلقة بالذهب والنفط الخام والمواد الغذائية قد تمت تسويتها بالفعل بالعملات المحلية. وهذا يغير الصورة بالنسبة لأوروبا لأن منطقة الخليج تمثل منصة للوساطة. لا تتعامل الشركات الأوروبية، بما في ذلك الشركات الإيطالية، مع الهند عبر المسارات المباشرة فحسب؛ بل تتعامل معها أيضًا عبر دبي وأبو ظبي والمناطق الحرة والبنوك الإقليمية وتجار السلع الأساسية وشركات الخدمات اللوجستية. وإذا أصبح الدرهم حلقة وصل أكثر استخدامًا بين الروبية والتجارة الدولية، فإن النظام لن يصبح «مناهضًا لليورو»، بل سيصبح أكثر تعددًا للأقطاب قليلاً. وفي هذا المثلث الجديد، يظل اليورو العملة الطبيعية لجزء كبير من التجارة الأوروبية، ويظل الدولار العملة الآمنة. لكن في غضون ذلك، تتزايد الحالات التي تتساءل فيها شركة أو دولة ما عما إذا كان من الضروري حقاً السير دائماً على نفس الطريق السريع النقدي. فإذا كان هناك جسر عبر الخليج للانتقال من ميلانو إلى مومباي، وكان هذا الجسر يقلل من الوقت أو التكاليف، فسيبدأ البعض في استخدامه. ليس الجميع، وليس على الفور، وليس لكل شيء. لكن عدداً كافياً لتغيير الخريطة.
