المغرب، البلد الذي يكاد يكون عضوًا في حلف الناتو، يدفع صناعة الطيران والفضاء إلى الانطلاق
ليس فقط التدريبات المشتركة، بل إن المملكة، بعد قطاع السيارات ونظام الموانئ، تعمل على تعزيز سلسلة التوريد الدفاعية. تعاون وثيق مع «بوينغ» و«إيرباص»، والآن انطلاقة جديدة كمنصة للتكامل الإلكتروني والصيانة المتخصصة
من 24Ore NextMed
في غضون ما يزيد قليلاً عن عقد من الزمن، تحول المغرب من منطقة صناعية هامشية إلى محور رئيسي في سلاسل التوريد العالمية لقطاع الفضاء الجوي. ويأتي هذا المسار في سياق اقتصاد نجح، رغم الجفاف المتكرر والصدمات الخارجية، في ترسيخ ركائزه غير الزراعية – صناعة السيارات، والطاقة المتجددة، والقطاع الرقمي – وبفضل بنية تحتية لوجستية تُعد نموذجًا يُحتذى به في منطقة البحر الأبيض المتوسط. ويشكل كل من «طنجة ميد» و«النادر ويست ميد» ومشروع «الداخلة أتلانتيك» المستقبلي ركائز لطموح واحد: تحويل المملكة إلى منصة للإنتاج والخدمات ذات القيمة المضافة العالية، على أبواب أوروبا ومطلة على غرب إفريقيا. وقد ساهم في تعزيز هذه الاستراتيجية الصناعية مسار سياسي طويل جعل المغرب أحد أقرب الدول إلى حلف الناتو خارج دائرة الدول الأعضاء. ليس فقط على صعيد الأمن ومكافحة الإرهاب، بل أيضًا على صعيد معايير الإنتاج والتدريبات مع القوات المسلحة. وقد شارك في آخر هذه التدريبات، التي أُجريت في إطار عملية «الأسد الأفريقي»، أكثر من 4500 فرد من 40 دولة. وقد أدرج قيادة حلف الناتو في نابولي المملكة بشكل دائم في أنشطة تعزيز المرونة والتعاون المدني والعسكري.
لا يزال السياق الكلي يتمثل في استقرار «مُدار»: ملكية دستورية تتمتع بمراكز قرار قوية، قادرة على تسريع وتيرة المشاريع — حتى الآن — لكنها معرضة لمشاكل معروفة — صعوبات تنظيمية، وتركيز القوى الصناعية، وتفاوتات إقليمية. ومع ذلك، في نظر المستثمرين، كان التوازن بين الاستمرارية السياسية والانفتاح التجاري والبنية التحتية التنافسية كافياً لإطلاق انتعاش في الاستثمارات الأجنبية، مدفوعاً بشكل أساسي بالشركاء الأوروبيين. ويمكن رؤية النتيجة على أرصفة ميناء طنجة وفي مناطق الدار البيضاء والقنيطرة: خطوط تصنيع الكابلات، وتصنيع المعادن، والمكونات الهيكلية، وخدمات الصيانة والإصلاح والتجديد (MRO) التي تزود البرامج الجوية الكبرى.
سلسلة القيمة
ركزت الموجة الأولى على الأنشطة التي تتطلب عمالة مكثفة وعمليات التجميع المعتمدة، مستفيدةً من نسبة التكلفة إلى الجودة المواتية وقربها من أسواق الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة (التي عززها اتفاق التجارة الحرة مع واشنطن). أما الموجة الثانية، الجارية حالياً، فتسعى إلى تعزيز العمليات الخاصة – مثل المعالجات السطحية، والمواد المركبة، والتصنيع الإضافي – والحصول على الشهادات الأكثر صرامة (AS9100، NADCAP)، مع التركيز على الاستخدام المزدوج الذي يجمع بين إلكترونيات الطيران والأنظمة. نشهد نوعًا من الانفتاح الخارجي: تكامل عميق مع الاتحاد الأوروبي (اتفاقية الشراكة)، ودور نشط في «الحوار المتوسطي» التابع لحلف الناتو، والعودة إلى الاتحاد الأفريقي، والانضمام إلى منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA). ويشكل الموقف بشأن الصحراء جزءًا كبيرًا من الدبلوماسية الاقتصادية والأمنية. شراكات اقتصادية قوية مع فرنسا وألمانيا وإسبانيا؛ ودور متزايد للإمارات العربية المتحدة، وبشكل انتقائي، للصين. لكن التبادل بشأن الاستخدام المزدوج أكثر نشاطًا بكثير مع الولايات المتحدة الأمريكية.
يضم مجمع «ميدبارك»، الواقع في ضواحي الدار البيضاء، شركات من الفئتين «تيير 1» و«تيير 2» مرتبطة بالنظامين البيئيين الكبيرين لشركتي «بوينغ» و«إيرباص»؛ أما في القنيطرة، فتسهم أوجه التآزر مع قطاع السيارات في تعزيز صناعة المكونات الكهربائية؛ وفي طنجة، يساهم التوجه نحو التصدير في تقليل مدة الدورة وتكاليفها. وقد ساهمت مناطق تسريع النمو الصناعي، بفضل نظامها الضريبي والرسوم المبسطة، في تحقيق بقية النتائج، إلى جانب حزم الدعم المتعلقة بالأراضي والمرافق العامة والتدريب الممول بشكل مشترك.
المخاطر لا تخلو منها
لا يزال الاعتماد التكنولوجي على الخارج كبيرًا: فغالبًا ما يتم استيراد الآلات والتراخيص والعمليات الخاصة والمعرفة الفنية المتعلقة بالاعتماد، وهي تخضع لضوابط التصدير وتقلبات الأوضاع الجيوسياسية. والمنافسة العالمية تتزايد: حيث تتنافس دول أوروبا الشرقية وتركيا وتونس والمكسيك وآسيا على نفس قطاع التوريد، في حين أن ارتفاع تكاليف الطاقة والمعايير البيئية يضيقان هوامش الربح. وفي الخلفية، هناك مشكلة ندرة المياه: يستهلك قطاع الفضاء والملاحة الجوية المياه في مراحل حرجة (المعالجة، والتنظيف، والطلاء الكهربائي)، ويتطلب خططًا لإعادة تدوير المياه وعمليات «جافة» لدعم النمو دون المساس بمخاوف العملاء الأوروبيين المتعلقة بالاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG).
