من الخليج إلى المغرب العربي

التمويل الأوروبي والإسلامي يلتقيان في ساحة «الصكوك الخضراء»

تواجه الأوراق المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية صعوبات في التوافق مع المنتجات التقليدية في القارة الأوروبية. لكن الإصدارات الأخيرة تشترك في العديد من النقاط مع التصنيف الأخضر للاتحاد الأوروبي

من 24Ore NextMed

Pannelli fotovoltaici (Imagoeconomica)

4' دقيقة قراءة

Translated by AI
Versione italiana

4' دقيقة قراءة

Translated by AI
Versione italiana

التمويل الإسلامي، ولا سيما سوق الصكوك، لم يعد مجالاً متخصصاً غريباً، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد الكلي العالمي. إن المثلث الذي تشكله السيولة في دول الخليج، والعجز في البنية التحتية في المغرب العربي، وعمق الإطار التنظيمي في الاتحاد الأوروبي، يولد فئة جديدة من الأدوات الهجينة. ولا تقتصر هذه الأدوات على نقل الأموال من نقطة «أ» إلى نقطة «ب» فحسب، بل تعيد تعريف مفهوم الاستثمار نفسه، من خلال دمج الامتثال للشريعة الإسلامية مع معايير الشفافية الصارمة التي تفرضها فرانكفورت وبروكسل.

لفهم حجم هذا التحول، من الضروري أولاً توضيح حقيقة هذه الأداة نفسها. غالبًا ما يُترجم «الصكوك» بشكل غير صحيح على أنه «سندات إسلامية»، وهو مصطلح يشوه طبيعتها القانونية والاقتصادية. فالسند التقليدي هو وعد بالديون: حيث يقرض المستثمر المال ويحصل في المقابل على فائدة. أما الصكوك، على العكس من ذلك، فهي شهادة استثمار تمثل حصة ملكية متناسبة في أصل ملموس. ولاستخدام استعارة ملموسة، فإن الاستثمار في صك مالي لبناء طريق سريع لا يعني إقراض المال للحكومة لبناء الطريق؛ بل يعني شراء جزء من الطريق نفسه والحصول على حصة من رسوم المرور المتولدة. هذا المبدأ القائم على تقاسم المخاطر والعائد، والذي يُعد ركيزة أساسية للتمويل التشاركي، يزيل عنصر المضاربة والفائدة الاستغلالية، مما يجعل هذه الأداة أكثر مرونة في مواجهة الصدمات النظامية بطبيعتها، ولكنها في الوقت نفسه أكثر تعقيدًا من حيث هيكلتها بالنسبة للأسواق الغربية.

Loading...

المنشأة

يمثل المغرب العربي، بفضل أجندته الطموحة في مجال التحول الطاقي وتحديث البنية التحتية، ساحة اختبار مثالية. وقد حقق المغرب نقطة تحول تاريخية في عام 2023 بإصدار أول صكوك سيادية دولية له، حيث جمع حوالي ملياري دولار. ولم تكن هذه الخطوة مدفوعة فقط بالحاجة إلى تنويع مصادر التمويل، بل بالرغبة في إرسال إشارة واضحة إلى المستثمرين المؤسسيين الأوروبيين: يمكن تغليف المخاطر السيادية في شمال إفريقيا في صيغة تتوافق مع القوانين المحلية والمعايير الدولية على حد سواء. أما دول الخليج، فهي تمتلك سيولة وفيرة تبحث عن عوائد مستقرة وتنويع جغرافي، وتجد في الجوار المتوسطي فرصة استثمارية تتماشى استراتيجياً مع أولوياتها في مجال الأمن الاقتصادي.

ومع ذلك، لكي يتمكن رأس المال الخليجي من تمويل البنية التحتية في المغرب العربي بمشاركة مستثمرين أوروبيين، لا بد من تجاوز متاهة من اللوائح التنظيمية. تخضع صناديق التقاعد وشركات التأمين في الاتحاد الأوروبي لتوجيهات صارمة مثل «سولفينسي 2» و«ميفيد 2»، التي تتطلب تصنيفاً واضحاً للمخاطر وشفافية مطلقة بشأن الأصول الأساسية. وهنا يأتي دور الهندسة المالية الهجينة. ولجعل الصكوك جذابة لمدير أصول في أمستردام أو باريس، يتعين على المُصدرين هيكلة الكيان ذي الغرض الخاص، المعروف باسم SPV، بحيث لا يكون متوافقاً مع آراء علماء الشريعة فحسب، بل يكون أيضاً «بعيداً عن الإفلاس» وفقاً لمبادئ قانون الشركات الأوروبي. وهذا يعني أنه في حالة إفلاس المُصدر الأصلي، يجب أن تكون أصول الصكوك محمية ومنفصلة، مما يضمن للمستثمرين استرداد قيمتها.

تدفقات المهاجرين إلى المغرب العربي

تلعب وكالات التصنيف دوراً أساسياً في عملية الترجمة الثقافية والمالية هذه. وعندما تمنح وكالة «ستاندرد آند بورز» أو «موديز» تصنيفًا لـ«الصكوك»، فإنها لا تقيّم المعتقد الديني للمُصدر، بل تقيّم متانة التدفق النقدي الناتج عن الأصل الأساسي وقوة الهيكل القانوني للكيان ذي الغرض الخاص (SPV). ويُعد هذا التصنيف المنظم بمثابة جسر للثقة، حيث يتيح للمستثمر الأوروبي تقييم أداة التمويل الإسلامي باستخدام نفس المعايير التحليلية المستخدمة في تقييم السندات المغطاة الألمانية أو السندات السيادية الفرنسية. إن توحيد معايير عمليات التقييم هذه هو ما يحوّل الصكوك من منتجات متخصصة إلى أدوات مالية سائدة.

يكمن نقطة التقارب الأكبر بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط في قطاع التمويل المستدام. تركز المبادئ الإسلامية بشكل كبير على الحفاظ على الأرض وحظر الأنشطة الضارة بالمجتمع، وهي مفاهيم تتوافق تمامًا مع التصنيف الأخضر للاتحاد الأوروبي. تبرز «الصكوك الخضراء» كأداة هجينة بامتياز. تخيلوا مشروعًا لتحلية المياه يعمل بالطاقة الشمسية في الجزائر، أو سلسلة إنتاج الهيدروجين الأخضر في تونس. يمكن تمويل هذه المشاريع من خلال «صكوك خضراء»، حيث يكون الأصل الأساسي هو المنشأة نفسها، وترتبط العوائد بإنتاج الطاقة، ويتم اعتماد الإصدار بأكمله وفقًا للمعيار الأوروبي الجديد للسندات الخضراء. في هذا السيناريو، لا يمثل التمويل الإسلامي عائقاً أمام لوائح الاتحاد الأوروبي، بل عامل تسريع، حيث إن نفوره المتأصل من الديون المضاربة يجعله متوافقاً بشكل طبيعي مع الاستثمارات طويلة الأجل ذات التأثير الحقيقي.

التمويل الأخضر

ولتقديم صورة دقيقة عن كيفية تجسيد هذه الآليات في السوق، من المفيد الاطلاع على بيانات الإصدارات الأخيرة التي مهدت الطريق لهذا النموذج الهجين. وعلى الرغم من التوقعات المشجعة، فإن المسار نحو التكامل الكامل لا يخلو من العقبات. ويكمن التحدي الرئيسي في الاختلافات بين مختلف مجالس الشريعة. فما تعتبره إحدى الهيئات في دبي متوافقاً تماماً مع الشريعة الإسلامية قد يكون موضع نقاش بالنسبة لأحد المجالس في القاهرة. ويؤدي هذا الافتقار إلى التوحيد العالمي للمعايير إلى خطر التجزئة، وهو ما يصعب على المستثمرين الأوروبيين، المعتادين على التنسيق التنظيمي في بروكسل، تقبله. علاوة على ذلك، فإن الهيكل القائم على الأصول يجعل إصدار الصكوك أكثر تكلفة ويستغرق وقتًا أطول مقارنة بالسندات التقليدية، وذلك بسبب الحاجة إلى نقل ملكية الأصول بشكل قانوني إلى الكيان ذي الغرض الخاص (SPV) والحصول على شهادات اعتماد متعددة. ويضاف إلى ذلك مخاطر العملات: فإصدار الصكوك بالدولار أو اليورو لتمويل مشاريع بالدينار أو الدرهم يعرض مُصدري الصكوك في المغرب العربي لتقلبات قد تقوض مزايا التمويل.

وبالنظر إلى المستقبل، لا يتفق المحللون بشكل قاطع على وتيرة هذا التبني، لكن البيانات الحالية تشير إلى اتجاه راسخ نحو الهجينة. ومن المرجح أن نشهد ظهور مراكز مالية تشمل منطقة البحر الأبيض المتوسط بأسرها، ربما بدعم من مؤسسات مثل البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، مكرسة بشكل خاص لهيكلة هذه الأدوات. وسيشكل إنشاء «جواز سفر» تنظيمي للصكوك الخضراء، معترف به من قبل كل من السلطات الإسلامية والهيئة الأوروبية للأدوات المالية والأسواق، نقطة تحول حاسمة.

التمويل هو آلية لترجمة الاحتياجات البشرية المشتركة إلى إجراءات مستدامة. ولا ينبغي النظر إلى التقارب بين التمويل الإسلامي واللوائح التنظيمية الأوروبية على أنه تنازل أو إضعاف للمبادئ، بل كبنية تعاونية متطورة. لم يكتمل بعد بناء الجسر الذي يربط بين الخليج والمغرب العربي وأوروبا، لكن الأساسات قد أُرسيت. ولأول مرة، تتسم هذه الأساسات بالصلابة والشفافية، وقد بُنيت لتدوم.

جميع الحقوق محفوظة ©
Loading...

Brand connect

Loading...