التحليل

من مكة إلى طهران: دبلوماسية الردع تحاول نزع فتيل الأزمة في الشرق الأوسط

تفتح زيارة الوفود السعودية والتركية والباكستانية إلى إيران آفاقًا لبناء هيكل أمني إقليمي جديد، في ظل التوترات بين واشنطن وطهران، وأمن الخليج، ومستقبل اليمن، وحرية الملاحة

Il principe Khalid bin Salman,  ministro della Difesa dell’Arabia Saudita REUTERS

6' دقيقة قراءة

Translated by AI
Versione italiana

6' دقيقة قراءة

Translated by AI
Versione italiana

لم يعد من الممكن تفسير الأزمة التي يمر بها الشرق الأوسط اليوم على أنها مجرد صراع بين الولايات المتحدة وإيران، ولا كامتداد بسيط للحرب في اليمن أو التنافس على النفوذ في الخليج. فالمنطقة تواجه أزمة أمنية مترابطة بشكل متزايد، حيث يمكن أن يؤدي التصعيد على جبهة ما إلى عواقب فورية على جبهات أخرى، بدءًا من مضيق هرمز وصولًا إلى باب المندب، ومن البنية التحتية النفطية في الخليج إلى الموانئ والمطارات المدنية.

في هذا السياق، تكتسب زيارة الوفد الممثل للدول الموقعة على اتفاق مكة للدفاع المشترك إلى طهران أهمية تتجاوز نطاق الدبلوماسية التقليدية. ويعكس حضور وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، ورئيس المخابرات التركية، إبراهيم كالين، إلى طاولة المفاوضات مع القيادة الإيرانية يعكس وعيًا متزايدًا: فالوسائل العسكرية، بمفردها، لم تعد كافية لاحتواء مخاطر نشوب صراع إقليمي أوسع نطاقًا. لكن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في مستوى المشاركين. بل إن الرسالة السياسية هي التي تستحق الاهتمام في المقام الأول: فالبلدان التي عززت تعاونها الدفاعي لمواجهة التهديدات الإقليمية تسعى الآن إلى استخدام ذلك الثقل الاستراتيجي نفسه لفتح مسار دبلوماسي قادر على منع توسع الحرب.

Loading...

منطق جديد: الردع في خدمة المفاوضات

تقليديًّا، تُبنى التحالفات الدفاعية لتعزيز القدرة على الرد على التهديدات العسكرية. لكن الزيارة إلى طهران تشير إلى احتمال مختلف: تحويل ثقل التعاون العسكري إلى أداة للمبادرة الدبلوماسية. لا تشترك المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في مصالح متطابقة ولا في نفس العلاقات الدولية. الرياض مهتمة بشكل مباشر بأمن أراضيها وبنيتها التحتية الاقتصادية ومستقبل اليمن. أما أنقرة فترغب في تجنب المزيد من الاضطرابات الإقليمية التي قد تهدد التجارة والطاقة والتوازنات الأمنية. أما إسلام أباد، فهي من جانبها تحافظ على علاقات مهمة مع كل من المملكة العربية السعودية وإيران، ولديها قنوات اتصال مع مختلف الأطراف الفاعلة في الأزمة بين واشنطن وطهران.

قد تشكل هذه الاختلافات ميزة دبلوماسية، حيث تتيح للوفد التحاور مع إيران من منظورات متكاملة، بدلاً من اتخاذ موقف متصلب وأحادي الجانب. غير أن نجاح هذا النهج يتطلب التمييز بشكل أساسي بين الردع والتهديد. فالردع يمكن أن يهيئ أجواءً مواتية للتفاوض عندما يكون مصحوبًا بضمانات موثوقة. أما التهديد المباشر، على العكس من ذلك، فيخاطر بجعل الطرف المقابل يتخذ موقفًا أكثر تشددًا، لا سيما عندما يمكن تفسير أي تنازل على أنه إشارة إلى الضعف.

ما الذي يمكن الاتفاق عليه؟

من غير الواقعي الاعتقاد بأن اجتماعاً واحداً يمكنه حل الخلافات التي تراكمت على مر السنين وتفاقمت بسبب الحروب والعقوبات والتنافس الإقليمي. ومع ذلك، فإن الدبلوماسية لا يجب بالضرورة أن تبدأ بحل جميع المشاكل. بل يمكن أن تنطلق من تدابير ملموسة تمنع تدهور الوضع أكثر بينما تستمر المفاوضات. وقد يكون التوصل إلى اتفاق بشأن التزامات أمنية محددة أكثر فعالية من إصدار بيان سياسي عام يصعب ترجمته إلى نتائج قابلة للتحقق. وينبغي أن يتعلق الالتزام الأول بوقف الهجمات على البنى التحتية المدنية والاقتصادية، بما في ذلك المطارات والموانئ ومنشآت الطاقة وخطوط أنابيب النفط. فهذه المنشآت لم تعد ذات قيمة وطنية فحسب: بل هي جزء من شبكات اقتصادية يعتمد عليها ملايين الأشخاص والعديد من الدول.

أما النقطة الثانية فتتعلق بإنشاء قنوات اتصال مباشرة بين السلطات العسكرية والأمنية، تكون قادرة على التعامل بسرعة مع أي حوادث قبل أن تتحول إلى اشتباكات أوسع نطاقاً. ففي الواقع، لا تنجم جميع حالات التصعيد عن قرار متعمد بالدخول في حرب. فبعضها قد ينشأ عن أخطاء في التقييم، أو إلقاء المسؤولية بشكل متسرع، أو غياب أدوات اتصال موثوقة.

وينبغي أن يركز الالتزام الثالث على أمن الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر. ويمكن للدول المعنية مناقشة آليات عملية لحماية حركة الملاحة التجارية وتبادل المعلومات حول التهديدات، مع تجنب أن تصبح الطرق البحرية أدوات دائمة للضغط السياسي.

المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران

طهران تطالب بـتخفيف القيود المفروضة على صادراتها النفطية ورفع الحصار البحري، في حين تركز واشنطن مطالبها علىأمن الملاحة، والملف النووي، والضمانات الأمنية. سيكون من الصعب التوصل إلى اتفاق دائم إذا طُلب من أحد الطرفين تقديم التزامات كاملة دون معالجة القضايا التي يعتبرها أساسية.

اليمن، أصعب اختبار

قد يكون الملف اليمني الأكثر إلحاحًا بالنسبة لـ المملكة العربية السعودية ، ولكنه أيضًا أحد أكثر الملفات تعقيدًا. وتُظهر الهجمات التي يشنها الحوثيون ضد أهداف سعودية مدى تداخل الأزمة اليمنية مع التوترات الإقليمية في الوقت الحالي. وفي الوقت نفسه، فإن استمرار العمليات العسكرية داخل اليمن يجعل أي هدنة عبر الحدود هشة ما لم تكن مصحوبة بمسار سياسي قادر على معالجة الأسباب الجذرية للصراع. تقيم إيران علاقات سياسية وعسكرية مع الحوثيين، لكن اختزال الحركة إلى مجرد أداة في يد طهران يعني تجاهل طبيعة الحرب اليمنية وتعقيداتها الداخلية. وبالمثل، فإن الافتراض بأن إيران يمكنها أن تضمن، من خلال أمر مباشر، وقف جميع عمليات الحوثيين من شأنه أن يعرض أي اتفاقات محتملة لخطر البناء على تقييمات غير واقعية. ولهذا السبب، لا يكفي الحصول على تعهد إيراني عام. بل يلزم التوصل إلى اتفاقات قابلة للتحقق منها على أرض الواقع.

قد يكون وقف الهجمات عبر الحدود نقطة انطلاق محتملة، مصحوبة بتدابير متبادلة لتخفيف التوتر العسكري. وينبغي أن يتبع ذلك عملية تفاوض يمنية، مدعومة على الصعيدين الإقليمي والدولي، بمشاركة الأطراف اليمنية المعنية. وينبغي أن تتناول المفاوضات إعادة بناء مؤسسات الدولة الموحدة، والترتيبات الأمنية، إعادة إدماج أو تسريح التشكيلات المسلحة في إطار اتفاق سياسي، وحماية الحدود، وإعادة فتح الموانئ والمطارات وتشغيلها، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والإنسانية. ولا ينبغي أن يتحول التهدئة الإقليمية إلى اتفاق بين القوى الخارجية لإدارة الأزمة اليمنية دون حلها.

Loading...

على المدى الطويل، لا يمكن فصل أمن السعودية والبحر الأحمر عن وجود دولة يمنية قادرة على ممارسة سيادتها وضمان أمن أراضيها. وإذا ما أسفرت محادثات طهران عن مجرد تخفيف الضغط العسكري على المملكة العربية السعودية، دون أن تفتح آفاقاً سياسية ملموسة لليمنيين، فقد تؤدي إلى تجميد بعض مظاهر الأزمة، لكنها لن تقضي على أسبابها.

هل يمكن لإيران أن تقدم ضمانات دون أن تشعر بأنها محاصرة؟

تتمثل إحدى الصعوبات الرئيسية لهذه المبادرة في الاختلاف في تصور إيران وجيرانها لمسألة الأمن. فبينما تركز المملكة العربية السعودية على وقف الهجمات وحماية أراضيها وبنيتها التحتية، تعتبر طهران الضغط العسكري الأمريكي والإسرائيلي، والعقوبات، والقيود التجارية تهديدات مباشرة لأمنها واقتصادها. هذا الاختلاف لا يعفي من يتورط في شن هجمات ضد المدنيين أو البنية التحتية من مسؤوليته، لكنه يساعد على فهم سبب صعوبة استمرار أي حل قائم على مطالب أحادية الجانب. وينبغي أن ينطلق أي اتفاق مستدام من مبدأ المعاملة بالمثل: فلا ينبغي لأي دولة أن تستخدم أراضي الدول المجاورة أو الممرات البحرية لتهديد الآخرين، في حين يجب أن تتوفر أدوات دبلوماسية قادرة على منع تحول الخلافات إلى حملات عسكرية مفتوحة.

قد يشكل اتفاق عدم الاعتداء، واحترام السيادة، وإنشاء قنوات اتصال دائمة، الخطوة الأولى نحو إطار أوسع للأمن الإقليمي.

ومع ذلك، فإن مثل هذا الإطار لن يكتسب مصداقية بمجرد التوقيع على إعلان. فالمشكلة الحقيقية تتعلق بآليات التنفيذ، وتوزيع المسؤوليات، وإدارة الجهات المسلحة غير الحكومية، والإجراءات التي يجب اتباعها في حالة انتهاك الالتزامات.

تركيا وباكستان: أهمية وساطة أوسع نطاقاً

تعد مشاركة تركيا وباكستان ذات أهمية خاصة لأنها توسع نطاق الحوار ليتجاوز البعد الثنائي بين المملكة العربية السعودية وإيران. ويمكن لباكستان، بفضل موقعها الجغرافي وعلاقاتها السياسية والعسكرية، أن تسهم في نقل الرسائل بين الأطراف التي لا تزال اتصالاتها المباشرة محدودة أو حساسة سياسياً. أما تركيا، فهي تمتلك شبكة من العلاقات الإقليمية والدولية التي قد تسمح لها بالمساهمة في صياغة اتفاقات سياسية وأمنية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مصالح تختلف عن مصالح الأطراف الفاعلة الأخرى في ملفات مختلفة. وقد يتمثل أهم إسهام من هذين البلدين في مساعدة الرياض وطهران على الانتقال من تبادل المطالب إلى صياغة التزامات متبادلة، مع تعزيز الجهود الوساطية التي بدأتها بالفعل قطر.

ومع ذلك، من المهم تجنب أن يؤدي تزايد عدد الوسطاء إلى تجزئة المفاوضات. فكلما زاد عدد القنوات الدبلوماسية دون تنسيق دقيق، زاد خطر صدور رسائل متناقضة والتزامات غير متوافقة.

ينبغي أن يميز النهج المنسق بين ما يمكن الاتفاق عليه على المستوى الإقليمي، وما يتطلب مفاوضات مباشرة بين واشنطن وطهران، وما يجب أن يظل جزءًا من عملية سياسية يمنية بحتة.

ثلاثة تطورات محتملة للمبادرة الدبلوماسية الجديدة

بعد الزيارة إلى طهران ، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات، دون أن يكون من الممكن اليوم تحديد أي منها سيتحقق. السيناريو الأول هو التوصل إلى اتفاق أمني محدود، يركز على وقف الهجمات العابرة للحدود، وحماية البنى التحتية الاستراتيجية، وفتح قنوات اتصال عسكرية واستخباراتية. ولن يؤدي اتفاق من هذا القبيل بالضرورة إلى إنهاء المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، لكنه قد يقلل من خطر توسعها لتشمل الدول المجاورة.

السيناريو الثاني هو اتفاق تدريجي أوسع نطاقاً، قادر على ربط التدابير الأمنية الإقليمية باستئناف المفاوضات بين واشنطن وطهران، من خلال خطوات متبادلة بشأن الملاحة البحرية والعقوبات والضمانات الأمنية. وسيتطلب هذا المسار التزامات قابلة للتحقق منها وإرادة سياسية حتى من الجهات الفاعلة غير المشاركة مباشرة في الاجتماع.

السيناريو الثالث هو سيناريو جمود دبلوماسي مصحوب باستمرار التصعيد، في حال بقيت مطالب الأطراف متعارضة أو تعذر احتواء العمليات العسكرية والهجمات التي تشنها جهات حليفة أو مرتبطة بمختلف أطراف الأزمة.

لا يمكن التنبؤ على وجه اليقين بأي من هذه التطورات سيسود. فمجرد انعقاد الاجتماع لا يكفي لتقييم نتائجه، لا سيما في ظل وجود تهديدات عسكرية مستمرة وخلافات لا تزال عميقة حول شروط التوصل إلى اتفاق.

وبالتالي، يبقى السؤال الأساسي: هل ستتمكن دول اتفاق مكة من تحويل قوتها الدفاعية إلى نفوذ دبلوماسي قادر على المساهمة في بناء هذا التوازن الجديد، أم أن الزيارة إلى طهران ستبقى مجرد محاولة أخرى لإدارة أزمة تتوسع بوتيرة أسرع من الجهود المبذولة لاحتوائها؟

اشترك في النشرة الإخبارية لـ NextMed حتى لا تفوتك آخر الأخبار والتحليلات 

جميع الحقوق محفوظة ©
Loading...

Brand connect

Loading...