لماذا يخشى حفتر والإخوان المسلمون إجراء الانتخابات؟
يميل الخلل الديموغرافي لصالح الدوائر الانتخابية في الغرب. ورغم أن حكومة الشرق تسعى إلى كسب التأييد في طرابلس بالاستفادة من السخط السائد، إلا أن هناك ضغوطاً لإقالة الرئيس الذي نجح مع ذلك في إدارة الانتخابات البلدية. في حين تعتمد جماعة الإخوان على قوة السلاح، نظراً لضعف تمثيلها في صناديق الاقتراع
النقاط الرئيسية
إن الأزمة الانتخابية في ليبيا لا تتعلق بنزاع حول قانون ما، أو شروط الترشح، أو صلاحيات المؤسسات. بل هي بالأحرى صراع غير معلن بين قوتين متوازنتين تحكمان المشهد: قوة الأسلحة وقوة الشعب. وقد نجح رئيس اللجنة الانتخابية الوطنية العليا، عماد الصايح، في تنظيم انتخابات المجالس البلدية. وقد أكد علنًا مرارًا وتكرارًا أن تأجيل الانتخابات في ليبيا لا يعود إلى أسباب فنية، بل سياسية. ومن هنا ينطلق التحقيق في الأسباب التي دفعت لجنة «4+4»، التي شكلتها بعثة الأمم المتحدة بمشاركة ممثلين عن الطرفين المتنازعين، أي القيادة العسكرية في الشرق وممثلي حكومة الوحدة الوطنية في الغرب، تصر على تغيير رئيس اللجنة واستبداله. وهي تفعل ذلك على الرغم من أنه نجح في تنظيم الانتخابات المحلية بين عامي 2024 و2026 بطريقة سلسة ومنظمة، دون انتهاكات تذكر. كما تثار العديد من التساؤلات حول الأطراف التي تخشى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، في حال أُجريت بـإرادة سياسية مشتركة وفي ظروف نزيهة، بعيدًا عن ثقل السلاح وتأثيره على خيارات الناخبين.
القاعدة الانتخابية الليبية
تشير الإحصاءات الدولية، وفقًا لآخر تحديثات منصة Worldometer المستندة إلى بيانات الأمم المتحدة حتى عام 2026، إلى أن عدد سكان ليبيا يبلغ حوالي 7.56 مليون نسمة. ويبلغ عدد سكان المدن الغربية، بما في ذلك طرابلس، حوالي 4,78 مليون نسمة، بينما يبلغ عدد سكان المدن الشرقية حوالي 2,2 مليون نسمة، وسكان المدن الجنوبية حوالي 500 ألف نسمة. ووفقًا لقاعدة بيانات الهيئة الوطنية العليا للانتخابات، يبلغ إجمالي عدد الناخبين المسجلين في نظام الهيئة حوالي 2,86 مليون ناخب. وتوجد أكبر قاعدة انتخابية في الغرب، حيث يبلغ عدد الناخبين المسجلين فيها حوالي 1.82 مليون ناخب، أي ما يعادل 63.6% من الإجمالي. أما مدن الشرق فتضم حوالي 770 ألف ناخب، أي ما يعادل حوالي 27%. ويبلغ عدد الناخبين المسجلين في مدن الجنوب حوالي 240 ألف ناخب، أي 8,4%، ويتركزون بشكل أساسي في سبها. ورغم أن هذه الأرقام ليست دقيقة تمامًا، إلا أنها تشير بشكل عام إلى اختلال كبير لصالح المنطقة الغربية في عدد الناخبين المسجلين. ويتوافق هذا الاختلال مع الكثافة السكانية الأكبر في الغرب مقارنة بالشرق والجنوب. كما يكشف في الوقت نفسه عن وزن انتخابي أكبر للغرب في أي انتخابات وطنية عامة. لكن يجب الأخذ في الاعتبار أن هذه القاعدة الانتخابية الغربية ليست موالية بالكامل للطرف الممثل في اللجنة المذكورة، أي حكومة الوحدة الوطنية. وبقراءة بسيطة، يمكن الاستنتاج أن الأطراف الثلاثة التي قد تتضرر من إجراء انتخابات حقيقية هي: المعسكر الشرقي بقيادة خليفة حفتر وأبنائه، وجماعة الإخوان المسلمين مع التيارات المرتبطة بها، وحكومة الغرب.
إدارة الموافقة
من عام 2014 إلى عام 2019، سعى «الشرق» إلى كسب التأييد في «الغرب»، مستغلاً الغضب الشعبي تجاه تجربة حكم الإسلاميين بين عامي 2012 و2014، وانتشار الميليشيات والمنظمات المسلحة الذي رافق تلك الفترة. وما عزز هذه الرهان هو تقديم هافتار باعتباره المنقذ الشعبي من براثن التيارات الإرهابية، في محاولة لإضفاء الشرعية السياسية على «الجيش الوطني» باعتباره النواة لبناء الدولة. لكن حرب طرابلس عام 2019 لم تحقق الهدف المنشود، لأن قوات هافتار لم تتمكن من دخول العاصمة بالقوة.
في المقابل، تُظهر النتائج الانتخابية أن الثقل الانتخابي المباشر لـ جماعة الإخوان المسلمين محدود مقارنة بنفوذها العسكري. في انتخابات المؤتمر الوطني العام لعام 2012، وفقًا للبيانات المعلنة، حصلوا على 152,441 صوتًا فقط، أي ما لا يتجاوز 11%، مقابل 714,769 صوتًا حصل عليها تحالف القوى الوطنية بقيادة الراحل محمود جبريل، وهو ما يعادل 48,1%. ومع ذلك، فإن نفوذهم داخل المجلس، إلى جانب تحالفاتهم مع المستقلين والقوات المسلحة، منحهم هامشًا واسعًا للتأثير على القرارات السياسية. وفي انتخابات مجلس النواب التي جرت في يونيو 2014، تراجع الحضور الانتخابي للإسلاميين: فقد حصلوا على حوالي 30 مقعدًا من أصل 200. ثم تحولت الخلافات السياسية إلى صراع مسلح، بلغ ذروته بانقسام المؤسسات ونقل البرلمان إلى شرق البلاد، بينما ظلت طرابلس تحت نفوذ القوات المسلحة المتحالفة مع تيارات سياسية مختلفة. ومن هنا يتضح أن الثقل الانتخابي لم يكن العامل الوحيد الذي حدد حجم النفوذ في ليبيا: فقد ساهمت الأسلحة والتحالفات والانقسام المؤسسي في إعادة تحديد توازن القوى.
التأثيرات الأجنبية
بعد هذا الاستعراض، يمكن فهم السبب الذي يجعل الانتخابات البرلمانية والرئاسية تشكل تهديدًا لمصالح القوى التي استفادت من إطالة أمد المرحلة الانتقالية. وطالما لم تُجرَ الانتخابات، يمكن أن يستمر النفوذ في التكاثر من خلال الأسلحة والتحالفات ومراكز القوة، في حين أن الانتخابات تعيد ترتيب المشهد وفقًا لإرادة الناخبين. وبالتالي، تكشف الأرقام والأحداث عن واقع أكثر تعقيدًا: فالانتخابات لن تكون بالضرورة في صالح أي من الطرفين، إذا ما أعادت النتائج توزيع النفوذ وفقًا للثقل الشعبي وليس وفقًا لتوازنات القوى التي فرضها الصراع في السنوات الماضية.
