السيطرة على المضيق

الاقتتال في اليمن ينتقل إلى الشمال. وبلغ عدد النازحين بالفعل مائة ألف

أدى الهجوم المفاجئ الذي شنه الحوثيون إلى تغيير التوازنات الداخلية في البلاد، ربما بفضل انشقاق قوات «المقاومة الوطنية». غير أن القوات العسكرية الموالية للحكومة تعكف على تنظيم صفوفها حول تعز، بينما يرد السعوديون بقصف جوي. ولروسيا مصلحة كبيرة في إغلاق مضيق باب المندب، لكن دورها لم يتضح حتى الآن

Progionieri Houthi da poco liberati al momento del loro arriva a Sana’a.  EPA/YAHYA ARHAB EPA

4' دقيقة قراءة

Translated by AI
Versione italiana

4' دقيقة قراءة

Translated by AI
Versione italiana

يمكن تفسير الوضع في اليمن، عقب سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب، على أنه انتقال نحو مرحلة جديدة من الحرب، وليس مجرد نهاية لحملة عسكرية. لقد تغيرت خريطة القوى بشكل كبير، لكن الوضع لا يزال غير مستقر، وخطوط الجبهة لا تزال مفتوحة أمام احتمالات قد تعيد رسم توازن القوى في الفترة المقبلة. بدأ التصعيد الأخير بحادثة طائرة «ماهان إير»، تلاها إعلان الحوثيين عن انتهاء ما أسموه بمرحلة «تخفيف التوتر»، قبل أن يعلنوا فرض حصار بحري على السفن السعودية تحت شعار «حصار مقابل حصار». ومنذ ذلك الحين، تسارعت وتيرة التصعيد، حيث استخدم الطرفان الطائرات المسيرة والصواريخ. وركزت هجمات الحوثيين على معسكرات الجيش اليمني الموالية للحكومة الشرعية، وميناء موكا، ومنشآت الطاقة السعودية. في 3 سبتمبر، شنت قوات الحوثيين هجوماً مفاجئاً واسع النطاق على المناطق الواقعة غرب تعز، ولا سيما مقبنة والوازية وجبل هاباشي، حيث نشرت عدداً كبيراً من المقاتلين. في المرحلة الأولى، تمكنت قوات محور تعز والمقاومة الوطنية الموالية للحكومة الشرعية من الصمود وصد الهجوم الأولي. ولم يحقق الحوثيون سوى نجاحات محدودة، حيث استولوا على بعض التلال والمرتفعات المطلة على باب المندب، قبل أن تستعيد القوات الحكومية السيطرة على العديد منها.

انسحاب المقاومة الوطنية

تكتسب هذه المرحلة أهمية كبيرة لأن القوات المسلحة في تعز تخوض القتال في ظل نقص حاد في الأسلحة والذخيرة، وتواجه تقلبات في دفع الرواتب. ويُعد صمودها في مواجهة الهجوم الأولي مؤشراً حاسماً على طبيعة المعركة وقدرة المقاتلين المحليين على الصمود رغم محدودية الموارد. بعد ذلك، نشر الحوثيون مزيداً من المقاتلين، في حين وصلت قوات «درع الوطن» – وهي قوات حكومية ذات قيادة وتكوين سلفية في الغالب – وصلت وتمكنت من الانتشار والسيطرة على حيس والخوخ، شمال المخا. ومع ذلك، فإن التغيير الأكثر خطورة بدأ مع انسحاب وحدات من قوات «المقاومة الوطنية» بقيادة طارق صالح، الأمر الذي أحدث اضطرابًا في المشهد العسكري، لا سيما بعد سقوط معسكر خالد بن الوليد. وقد منح سقوط المعسكر الحوثيين قدرة أكبر على الالتفاف على قوات «درع الوطن» والضغط عليها، مما أجبر القوات الحكومية على الانسحاب من بعض المحاور لإعادة تنظيم صفوفها. ومع ذلك، استمرت عمليات الانسحاب وتكثفت، وتحولت من مجرد عمليات إعادة تمركز إلى عامل حاسم في تغيير مسار المعركة. وتشير الشهادات الميدانية التي جمعناها إلى أن بعض الضباط التابعين لقوات طارق صالح قد نسقوا عمليات الانسحاب، لكن هذه المعلومات تتطلب تحقيقًا قانونيًا وعسكريًّا مستقلًا قبل أن يمكن اعتبارها نهائية.

Loading...

الوضع على الأرض

على أرض الواقع، أسفر ذلك عن تقدم سريع للحوثيين، توج بسقوط مدينة موكا ومينائها. ورافق ذلك اتهامات متزايدة موجهة إلى طارق صالح، عضو مجلس القيادة الرئاسي، أو بعض مساعديه، الذين يُعتبرون مسؤولين عن الانسحاب. ووفقًا لبعض الاتهامات، يُزعم وجود صلات بين ذلك وطرد القوات المدعومة من الإمارات العربية المتحدة والمجلس الانتقالي الجنوبي من الحضرموت. ومع ذلك، فإن خطورة هذه الاتهامات تفرض عدم اعتبارها حقائق مؤكدة. بعد ذلك، واصل الحوثيون توسعهم نحو الجنوب، في اتجاه ذباب، بالقرب من مضيق باب المندب، ثم دخلوا جزيرة مايون، وهي موقع جغرافي بالغ الحساسية في قلب المضيق.

وقد ترافقت المعارك مع موجة هائلة من النزوح من موكا ومناطق أخرى، تقدر بأكثر من مائة ألف شخص. وتوجه بعضهم نحو عدن وتعز، بينما وصل آخرون إلى جيبوتي. كما ظهرت تقارير وشهادات عن انتهاكات ارتكبتها قوات الحوثيين في المناطق التي دخلوها، بما في ذلك مصادرة المنازل والممتلكات الخاصة، ونهب ممتلكات العائلات والنساء، واعتقال عشرات الرجال. كما أُبلغ عن انتهاكات لمقابر المعارضين وإطلاق النار عليها، وهي ممارسات تكتسب بعداً انتقامياً يتجاوز العمليات العسكرية نفسها. علاوة على ذلك، كانت تعز وموكا ومناطق مأهولة أخرى مسرحاً لقصف عشوائي، مما زاد من المخاطر التي يواجهها المدنيون ووسع نطاق النزوح والخوف. ومع ذلك، فإن سقوط موكا والسيطرة على باب المندب لا يعنيان نهاية المعركة. فالاشتباكات مستمرة في تعز، كما أن القوات الحكومية التي انسحبت من موكا تعيد تنظيم صفوفها. وإذا تُرجمت تصريحات الحكومة إلى تحركات عسكرية فعلية، فمن المرجح أن نشهد استئناف القتال على الساحل الغربي ومحاولات لإعادة فتح الجبهة باتجاه موكا وباب المندب.

رد الفعل السعودي

على العكس من ذلك، أعلن الحوثيون أن الممرات البحرية ستظل مفتوحة للملاحة وأن وجودهم في باب المندب لن يعرقل التجارة الدولية. ويبدو أن هذا الخطاب يهدف إلى الفصل بين السيطرة العسكرية على المضيق وتعطيل الملاحة، حيث يدرك الحوثيون أن السيطرة على باب المندب تمنحهم نفوذاً استراتيجياً كبيراً، لكن تعطيل الملاحة قد يحول هذه الميزة بسرعة إلى ذريعة لتدخل دولي أوسع نطاقاً ضدهم. على الصعيدين الإقليمي والدولي، تنتشر مؤشرات على دور إيراني وروسي، على الرغم من أن طبيعة هذا الدور ونطاقه يتطلبان مزيدًا من التحقق. بالنسبة لـإيران، يمثل سيطرة الحوثيين على باب المندب ميزة استراتيجية إضافية، إلى جانب مضيق هرمز، لا سيما في هذه اللحظة الحساسة المرتبطة بالانتخابات الأمريكية والنتائج المحتملة التي قد تمس طهران. إن وجود حليف إيراني يتمتع بقدرات كبيرة بالقرب من إحدى أهم النقاط الاستراتيجية البحرية يمنح طهران ميزة إضافية في أي مواجهة مستقبلية مع الولايات المتحدة أو حلفائها، وقد يجعل ممر باب المندب، إلى جانب مضيق هرمز، جزءًا من نظام أوسع نطاقًا للضغط على مسارات الطاقة والتجارة. أما فيما يتعلق بـ روسيا، فإن أي انقطاع في تدفقات الطاقة وارتفاع أسعار النفط قد يخدم بعض مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، لا سيما في ضوء الحرب الدائرة في أوكرانيا، والهجمات على البنية التحتية الروسية للطاقة، والضغوط الغربية على صادرات النفط، والأسطول الخفي. ومع ذلك، يجب التمييز بين تقارب المصالح ودليل على تورط روسيا المباشر في النزاع، حيث يتطلب هذا الأخير أدلة أكثر واقعية.

Una colonna bombardata

Miliziani accanto a veicoli colpiti da un raid aereo delle forze pro saudite, stando a quanto dichiarato dalla Tv pro Houthi

كما لم تتوقف الاشتباكات في شمال اليمن. تستمر الاشتباكات في الجوف وعلى طول الطرق المؤدية إلى معاقل الحوثيين، وكذلك في مأرب والبيضاء، مع ورود أنباء عن تقدم القوات الحكومية على جبهات مختلفة وعن قصف مكثف من قبل سلاح الجو التابع للرياض. وتعتبر هذه الجبهات حاسمة لأن قيمة السيطرة الحوثية على الساحل ستتحدد جزئيًا بما سيحدث في الشمال. وإذا تمكنت القوات الحكومية من التقدم نحو المناطق المجاورة لصنعاء أو من تهديد طرق الإمداد المؤدية إليها، فسيضطر الحوثيون إلى إعادة نشر قواتهم ونقل جزء منها من الساحل للدفاع عن صنعاء، صعدة والجوف، مما قد يغير مرة أخرى ميزان القوى في الصراع.

توفيق الحميدي، رئيس منظمة سام للحقوق والحريات

جميع الحقوق محفوظة ©
Loading...

Brand connect

Loading...