مالي: أعمال العنف التي يرتكبها «أفريكا كوربس» تخدم مصالح الجماعات المسلحة
سجلت منظمة «هيومن رايتس ووتش» ثمانية قتلى من المدنيين في الهجوم الأخير الذي شنه المتعاقدون، وهو تصعيد يزيد من حدة الانقسام مع الدولة ويؤجج تجنيد الجهاديين
نيروبي - تعود الأضواء لتسلط على الدور الروسي في مالي، البلد الساحلي الذي يتعرض لحصار متزايد من قبل الجهاديين التابعين لـ«جماعة دعم الإسلام والمسلمين» (Jamaat Nusrat al Islam wa al Muslimin أو Jnim) والمتمردين الطوارق. في الشهر الماضي، أفادت صحيفة «واشنطن بوست» عن احتمال شن غارات أمريكية على البلاد في إطار مكافحة الإرهاب، بهدف تحقيق التوازن في مواجهة الاتفاق المبرم بين الحكومة الانقلابية في باماكو والمقاولين الروس التابعين لـ«أفريكا كوربس». والآن، يتهم تقرير صادر عن منظمة «هيومن رايتس ووتش» غير الحكومية المرتزقة الذين خلفوا شركة «فاغنر» بارتكاب مذبحة راح ضحيتها ما لا يقل عن ثمانية مدنيين في غارة جوية شُنت في منتصف يونيو على قرية كيرنيا، الواقعة في منطقة موبتي والخاضعة لسيطرة الإسلاميين منذ ما لا يقل عن ست سنوات. وقد وُصفت العملية، على حسابات «أفريكا كوربس» على مواقع التواصل الاجتماعي، بأنها غارة خاطفة لتحييد «عدد من القادة» في صفوف «الجماعة الإسلامية المسلحة في مالي» (JNIM). وتنفي منظمة «هيومن رايتس ووتش» وجود جهاديين مؤكد بين الضحايا، محذرة من موجات جديدة من العنف وتأثير عكسي على الاستقرار المتداعي بشكل متزايد في مالي.
عودة روسيا إلى مالي بعد صدمة 25 أبريل
تولى المجلس العسكري المالي بقيادة أسيمي غويتا السلطة بعد الانقلاب المزدوج الذي وقع في 2020-2021، وأقام علاقة تعاون مع المتعاقدين التابعين لشركة «فاغنر» آنذاك، الذين حلوا محل القوات الفرنسية والغربية بعد انسحابها. وقد بدأت هذه الروابط بشكل غير رسمي في عهد شركة «واغنر» القديمة، ثم أعيد تعريفها مع حل الشركة الخاصة وتحوّلها إلى «أفريكا كوربس»: التشكيل الذي حمل إرث «الموسيقيين» ويخضع لسلطة وزارة الدفاع الروسية.
تعرض التعاون بين قوات الأمن المالية والمتعاقدين لعدة انتكاسات في السنوات الأخيرة، بدءًا من الهجوم المشترك الضخم بين الإسلاميين ومتمردي الطوارق التابعين لجبهة تحرير أزواد في 25 أبريل الماضي: وهي هجمة لم يسبق لها مثيل من حيث نطاقها وتداعياتها التكتيكية، حيث وقعت في وقت واحد في عدة مناطق من البلاد وأثبتت وجود تآزر بين الجهاديين وأنصار الاستقلال. أكدت موسكو عزمها على الحفاظ على وجودها في منطقة الساحل ومواصلة أنشطة مكافحة الإرهاب، مؤكدةً تضامنها مع شركائها من خلال الجولة الأفريقية الأخيرة التي قام بها الوزير سيرجي لافروف والاجتماع مع وزراء خارجية «تحالف الساحل». لكن التصدع الذي يشهده الوجود الروسي في المنطقة، الذي يتعرض الآن لتهديد من الزخم الأمريكي الجديد، يثير مخاوف من تكرار أعمال العنف ضد المدنيين كنتيجة أو انحراف عن مسار مرحلة انتقالية في العلاقات.
وتؤكد إيلاريا أليغروزي من منظمة «هيومن رايتس ووتش» أن الخطر «ملموس للغاية»، مشيرةً إلى نقطة ضعف استراتيجية: فقد «استندت إدارة النزاع بشكل شبه حصري إلى رد عسكري»، دون معالجة القضايا الجوهرية اللازمة لتحقيق استقرار أكثر ديمومة، مثل الدعم الاقتصادي للمناطق الأكثر تهميشًا أو محاولة إجراء حوار مع الجماعات المسلحة. وفي هذا السياق، تضيف أليغروزي، إن الانتهاكات المنسوبة إلى القوات المالية و«فيلق أفريقيا» «لا تؤدي إلا إلى تفاقم الانقسام بين الشعب والدولة"، مما يغذي الإحباط الاجتماعي ويوفر ذريعة قيّمة للتجنيد في الجماعات المسلحة ذات الانتماء الجهادي.
الآثار الجانبية
يوضح أليغروزي أن «البوميرانغ» الناجم عن اتباع نهج «أمني بحت» قد يتجسد حتى في سيناريو تدخل أمريكي. في الوقت الحالي، تبدو فرضية شن واشنطن هجوماً خاطفاً محدودة، ولا تزال تفاصيلها غير واضحة، حيث تميل أكثر إلى الغارات الجوية بدلاً من إرسال قوات برية. وأياً كان مسار التطورات، يقول أليغروزي، «تُظهر تجربة منطقة الساحل أن العمليات العسكرية التي تركز حصرياً على القضاء على قادة الجهاديين قد تضعف بعض الجماعات الجهادية مؤقتاً، دون أن تعالج الأسباب الجذرية للصراع». ويضيف أنه في بعض الحالات، «يمكن أن تتغير التوازنات بين المنظمات المسلحة، مما يفضي إلى توسع الجماعات المنافسة (انظر حالة جماعة «جماعة الإسلاميين في شمال أفريقيا» (JNIM) والجماعات المرتبطة بتنظيم داعش) أو يدفع المقاتلين إلى إعادة تنظيم صفوفهم في مناطق جديدة».
