أردوغان، المنسق الأمريكي في حلف الناتو، يحتفل بنهاية «الربيع العربي»
يؤكد مؤتمر قمة الناتو في تركيا الغموض الذي يكتنف هذا البلد. وهو نموذج يبدو أنه يلقى الآن استحسان دونالد ترامب، الذي يركز اهتمامه على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ويأتي التأكيد على ذلك من خلال الموافقة على طائرات F-35. وبعد 15 عامًا، اختفى من الساحة النموذج الذي كان قد تسبب في اندلاع الانتفاضات في المغرب العربي
النقاط الرئيسية
بعد اجتماع الدول السبع الكبرى في إيفيان، الذي انتهى دون إصدار بيان ختامي مشترك، يتبع قمة الناتو في أنقرة هي الأخرى سيناريوًّا مكتوبًا مسبقًا: السعي إلى الحد الأدنى الضروري. فالحد الأقصى الممكن هو في الواقع خارج نطاق التوقعات، نظراً لفقدان الاهتمام بالتعددية التضامنية، التي دمرها عودة مناطق النفوذ والمصالح الجيوسياسية المتباينة. وتتنفس منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) ككل الصعداء لكونها نجت من خطر حدوث انشقاق. لكن الشكوك والتوترات لا تزال قائمة. ويعود الأوروبيون إلى ديارهم مقتنعين بضرورة الإسراع في مسار الاستقلالية الاستراتيجية. أصبح زيادة الإنفاق الدفاعي مسألة بقاء الآن. وهم يدركون أنهم أقنعوا الرئيس الأمريكي بمواصلة دعم أوكرانيا، وهو ما يناسب البيت الأبيض في هذه المرحلة نظراً لعدم اليقين المحيط بالصراع مع إيران والقدرة الواضحة لكييف على قلب مجريات الحرب. أما ترامب، من جانبه، فسيتمكن من التباهي في الداخل بأنه حافظ على نفس النبرة التي اتبعها في الخارج، دون أن يتورع عن تمزيق الاتفاق الإطاري مع إيران في خضم القمة، من خلال شن غارات جوية جديدة، بل وأكثر كثافة من تلك التي وقعت في يونيو.
أنقرة
ويراقب مضيف القمة، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، كل هذا بقدر من الرضا والارتياح. فمع انعقاد هذه القمة، يمكن القول إن عصر عدم اليقين الاستراتيجي التركي قد انتهى. لقد ولت منذ زمن بعيد تلك السنوات التي كانت فيها أنقرة تطرق أبواب الاتحاد الأوروبي، على أمل الحصول على شكل من أشكال الانضمام. أو تلك السنوات التي كان فيها البيت الأبيض يتحمل بصعوبة الغموض التركي، فهي حليفة لحلف الناتو لكنها منخرطة في احتواء صعود المملكة العربية السعودية، الحليف القوي الآخر للولايات المتحدة، حتى من خلال دعم الجماعات والمنظمات السنية المرتبطة بالإرهاب. أصبحت تركيا الآن لاعباً جيوسياسياً رئيسياً في المنطقة الممتدة من ليبيا إلى آسيا الوسطى، مروراً بالقرن الأفريقي. وسوريا هي محمية لها، في حين رفع أردوغان الآن راية الدفاع حتى النهاية عن القضية الفلسطينية. وإذا كان هناك أمل في استئناف المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا، فإن الفضل في ذلك يعود حصريًّا إلى دور تركيا، التي ستعود، قبل حلول الشتاء، لتكون المقر الطبيعي لجولة جديدة من المفاوضات بين موسكو وكييف. أما القضية الكردية العريقة فقد أصبحت الآن خارج نطاق اهتمام المجتمع الدولي، وهي تعتمد حصريًّا على التنازلات التي تقدمها تركيا. علاوة على ذلك، فقد أنجز أردوغان بالفعل الكثير من واجباته في مجال الاستثمارات الدفاعية: فاليوم تُعد تركيا ثاني أقوى قوة عسكرية في حلف الناتو، وتمتلك قاعدة صناعية متطورة، لا سيما في مجال الطائرات بدون طيار، وتستعد لإلغاء التعليق المفروض على عقد توريد طائرات مقاتلة جديدة من طراز F-35.
الدور الجديد
كل هذا يضع أنقرة في موقع متميز: فما نواصل نحن الأوروبيون تسميته واعتباره «غموضًا»، يُنظر إليه في واشنطن على أنه دليل على القوة. وستواصل تركيا ترسيخ مكانتها كلاعب قادر على التواجد على عدة جبهات، حيث تتحاور مع الأوروبيين بشأن الموانئ التجارية والمواقع الاستراتيجية في البحر الأبيض المتوسط، ومع موسكو بشأن سياسات الطاقة، ومع الصين بشأن طرق التجارة العالمية. شريطة أن تتمتع بحرية التصرف في فناءها الخلفي، ولا سيما في احتواء طموحات المنافسين الرئيسيين: المملكة العربية السعودية وإيران.
التوازنات
لقد أرست الحرب بالوكالة التي خاضها الثلاثة تحت ستار ما يُسمى بـ«الربيع العربي» توازنًا جديدًا، قائمًا على تقسيم مناطق النفوذ. ومن المؤكد أن أردوغان لم يحتج على استئناف الهجمات الأمريكية على إيران، التي تثير طموحاتها النووية مخاوف أنقرة أيضًا في ضوء احتمال حدوث خلل استراتيجي. فقد كانت العلاقة مع الرياض، في السنوات الماضية، علاقة زائفة وانتهازية، في إطار موقف معادٍ لإيران. اليوم أصبح الميدان خالياً، مدعومًا بالدعم الشخصي من دونالد ترامب. وإذا كان هناك ديناميكية يجب مراقبةها بعناية فائقة في السنوات المقبلة، فهي التوتر المتزايد بين أنقرة وتل أبيب. فقد أصبح الطرفان يتعارضان الآن، وسيزداد هذا التضارب أكثر فأكثر، من قبرص إلى لبنان، وصولاً بطبيعة الحال إلى غزة. يبدو أن العلاقة بين الرئيس الأمريكي ونتنياهو قد تصدعت، ولم تعد العلاقة الخاصة قائمة. وهذا يضفي الشرعية على دور تركيا كمحور استراتيجي في المنطقة، والتي ستستثمر واشنطن فيها الكثير من رأس مالها السياسي والاستراتيجي والعسكري في السنوات المقبلة. وبعد انقطاع العلاقات مع طهران، وفي ظل عدم ثقة المملكة العربية السعودية، فإن أمريكا المستقبلية التي تتطلع إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ تحتاج إلى نقطة ارتكاز في كل قطاع. وقد تكون تركيا هي الخيار الطبيعي للسنوات المقبلة في منطقة البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط والخليج الفارسي.
